لا يزال ملف المفقودين في ليبيا يشكل جزءا محوريا من الانقسامات والصراعات التي تعصف بالبلاد منذ عام 2011، حيث يمثل شاهدا صامتا على واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية وأكثرها تعقيدا، والتي تشهد تقدما بطيئا في إيجاد حلول لها وفقا لآراء قانونيين وحقوقيين.
فمن بين ضحايا الحروب الأهلية الثلاث التي شهدتها البلاد في أعوام 2011 و2014 و2019، إلى جانب المقابر الجماعية وحالات الاختفاء القسري، مرورا بكارثة إعصار شرق ليبيا في عام 2023، وصولا إلى المفقودين في مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، تتسع دائرة الغياب، في حين تبقى آلاف العائلات تواجه سؤالا واحدا لا يزول: أين أبناؤنا؟.
عاد ملف المفقودين إلى دائرة الضوء مؤخرا مع إعلان بعثة الأمم المتحدة عن طرح نسخة شبه نهائية من مشروع قانون خاص بالمفقودين، وذلك برعاية البعثة و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، في خطوة تهدف إلى معالجة مأساة إنسانية، يرى الأكاديمي وأستاذ القانون الليبي الدكتور موسى القنيدي أنها واجهت عقبات معقدة ومركبة أخرت تقدمها لسنوات.
عقبات تواجه ملف المفقودين
واضاف القنيدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن من أبرز هذه العقبات ضعف الإرادة السياسية في السابق، مع تحسن طفيف في الوقت الحالي، إضافة إلى تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية بالملف، وتشتت التشريعات وتضاربها، فضلا عما وصفه بـ«التعامل التمييزي مع بعض فئات المفقودين»، وهو ما أعاق الوصول إلى حلول عادلة وشاملة.
وتكشف أحدث البيانات الرسمية عن تسجيل 7169 مفقودا في ليبيا، بحسب «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» الحكومية، وهو رقم يراه الناشط الحقوقي طارق لملوم «منطقيا»، لكنه لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة التي تعقدت منذ عام 2011 على وقع انقسام البلاد، وضعف الإبلاغ والتوثيق، وتردد بعض الأسر في الإبلاغ عن مفقوديها، وضعف الشفافية، وغياب قاعدة بيانات شاملة، ما يجعل الأرقام قابلة للزيادة.
وتعود جذور هذه الظاهرة إلى ما قبل عام 2011، حيث سبق توثيق حكومي لنحو 10 آلاف مفقود خلال عهد نظام معمر القذافي، من بينهم ضحايا نزاعات خارجية مثل تشاد وأوغندا في السبعينات والثمانينات، ومجزرة سجن أبو سليم في عام 1996، إضافة إلى حرب 2011.
تعدد الأسباب وتوحيد النتائج
كما رصدت «اللجنة الدولية للمفقودين» أكثر من 2500 حالة في الفترة ما بين عامي 2012 و2014 في عدة مدن ليبية، في حين استمرت الظاهرة مع اكتشاف مقابر ترهونة في عام 2020، وحالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية وكارثة إعصار درنة.
لا ينظر إلى المفقودين بسبب الصراعات والكوارث في ليبيا على أنهم كتلة واحدة، بحسب الحقوقيين، إذ تتداخل خلفيات اختفائهم بين نزاعات مسلحة وانتهاكات حقوقية وحالات هجرة غير نظامية، إضافة إلى كوارث طبيعية، بينما تبقى الأسئلة معلقة حول ما إذا كان بعضهم في عداد الموتى، بينما قد يكون آخرون على قيد الحياة.
غير أن النسبة الأكبر ترتبط مباشرة بالصراعات المسلحة، خصوصا منذ عام 2011، حين أدى القتال بين قوات حكومة القذافي ومسلحين إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وظهور مقابر جماعية في بنغازي والبريقة ومصراتة وتاورغاء، بحسب تصريح لملوم لـ«الشرق الأوسط»، كما شهد عام 2014 موجة جديدة من الاختفاءات مع تجدد القتال، ما وسع نطاق هذا الملف جغرافيا وإنسانيا.
ترهونة ومعاناة المفقودين
ولا تزال مدينة ترهونة غرب البلاد تجتر معاناة مفقوديها، عقب الحرب على العاصمة طرابلس في أبريل (نيسان) 2019، خصوصا بعد اكتشاف مقابر جماعية كشفت عن انتهاكات واسعة شملت القتل والتعذيب والتهجير القسري، مع تقديرات بوجود عشرات المفقودين حتى الآن.
وقال عضو «رابطة ضحايا ترهونة» عبد الحكيم أبو نعامة لـ«الشرق الأوسط»: «إن 66 مفقودا ما زال مصيرهم مجهولا حتى الآن، في ظل تعاطي حكومي ضعيف مع معاناة الأهالي»، بينما يلحظ القنيدي «تحسنا نسبيا في التعاطي مع الملف بقيادة النائب العام الصديق الصور وهيئة البحث والتعرف على المفقودين، التي باتت تعمل بشكل مركزي في عمليات الانتشال وتحليل الحمض النووي بكوادر وطنية مميزة».
في سياق أكثر تعقيدا، تستمر معاناة أسر مفقودين داخل مراكز احتجاز تديرها جهات عسكرية وأمنية ومسلحون في طرابلس وبنغازي، حيث تشير شهادات حقوقية إلى حالات اختفاء منذ عام 2014 دون محاكمات، يعتقد أن بعضها انتهى بعمليات تصفية جسدية، وفق لملوم، الذي أقر بصعوبة تحديد أعدادهم بدقة.
استمرار الانتهاكات وغياب الحلول
وليس بعيدا عن ذلك، يبرز اختفاء عضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي عام 2024، وعضوة المجلس سهام سرقيوة منذ 2019، إلى جانب نشطاء مدنيين مثل عبد المعز بانون المختفي منذ أكثر من 11 عاما، وعبد المطلب السرحاني منذ 2017.
غير أن رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» أحمد حمزة يرى أن الانتهاكات ما زالت مستمرة في شرق البلاد وغربها، بما يعكس استمرار الأزمة دون حلول جذرية.
ولا يقتصر الملف على النزاعات المسلحة، إذ يشمل أيضا حالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية عبر «المتوسط»، حيث يفقد عدد من المهاجرين خلال محاولات العبور نحو أوروبا، وإن كانت «أقل عددا مقارنة ببقية الفئات»، وفق لملوم.
ورغم صعوبة المشهد الحقوقي، ينظر حقوقيون وأكاديميون بإيجابية إلى خطوات حكومية متفرقة، بينها تشكيل لجان للإفراج عن السجناء وتحديد مصيرهم في شرق ليبيا، وقرار «الجيش الوطني» تشكيل لجنة لبحث مصير النائب الدرسي في مارس (آذار) الماضي، وقبل ذلك بـ5 أعوام إنشاء «هيئة البحث والتعرف على المفقودين» في غرب البلاد.
إلا أن الأكاديمي الليبي موسى القنيدي لا يرى بديلا عن «إصلاح المنظومة القانونية المشتتة والمتضاربة بين القوانين المدنية والجنائية وأحكام الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية وتشريعات بعد 2011».
والقنيدي هو واحد من بين خبراء عكفوا على إعداد مسودة قانون متكامل، عقب اجتماعات استمرت 6 أشهر بإشراف الأمم المتحدة ومشاركة أعضاء بالبرلمان والمجلس الأعلى للدولة ومؤسسات ليبية معنية بالملف، ووصف المسودة بأنها «فرصة أمام مجلس النواب لتبني تشريع موحد يعالج الملف بشكل شامل ويعزز العدالة».
ومع ذلك، يرى حقوقيون أن الحسم النهائي لمأساة المفقودين يظل مرهونا بطي صفحة الانقسامات والصراعات، في إطار تسوية سياسية شاملة ترسخ مسار الديمقراطية وتضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
