عند الإصابة بنزلات البرد والانفلونزا، يلاحظ الكثيرون تغيرا واضحا في علاقتهم بالطعام، إذ تقل الرغبة في الأكل فجأة، وقد تتحول الشهية نحو أطعمة محددة دون غيرها، فيشتاق المريض إلى طبق حساء دافئ أو كوب شاي بالأعشاب، بينما يرفض الجسم كل ما اعتاد عليه من وجبات دسمة.
هذه التغيرات ليست مجرد عرض جانبي عابر أو نزوة عشوائية، بل هي جزء من طريقة عمل الجسم وهو يحافظ على طاقاته لمواجهة العدوى واستعادة توازنه، وفهم هذه الرسائل والاستجابة لها بذكاء قد يكون الفارق الحقيقي بين تعاف سريع وأيام مرض ممتدة.
عندما يواجه الجسم فيروسا، تنشط منظومة المناعة بشكل مكثف، وتتحول نسبة كبيرة من الطاقة المتاحة لدعم هذه المواجهة الداخلية، وأثناء هذه العملية تفرز خلايا المناعة مواد كيميائية تعرف باسم السايتوكينات، وهي إشارات تنبه الجسم إلى وجود خطر وتساعد على رفع درجة الحرارة لتهيئة بيئة أقل ملاءمة لتكاثر الفيروسات.
لماذا تتغير شهيتك اثناء المرض؟
في هذه المرحلة يبطئ الجهاز الهضمي نشاطه نسبيا، لان الجسم يعيد توزيع موارده، فلا يستهلك طاقة كبيرة في هضم وجبات ثقيلة بينما تتركز أولويته في دعم الاستجابة المناعية، وهذا ما يفسر شعور كثير من المصابين بثقل المعدة أو ضعف الشهية اثناء المرض.
واضافت دراسة نشرت في المجلة البريطانية لعلم الادوية، واجريت بمشاركة باحثين من جامعة مانشستر، ان التحكم في الشهية يتاثر مباشرة باشارات يرسلها الدماغ اثناء المرض، اذ يعد فقدان الشهية احد المظاهر الاساسية لما يعرف بسلوك المرض، رغم ان الجسم يكون في حاجة مرتفعة الى الطاقة لدعم الاستجابة المناعية.
وتوضح الدراسة ان الالتهاب يغير عمل الدوائر العصبية المنظمة للجوع، مما يؤدي الى انخفاض الشهية وحدوث خلل مؤقت في توازن الطاقة داخل الجسم.
التوقيت واهمية الغذاء
لكن انخفاض الشهية لا يعني ان الجسم لم يعد بحاجة الى الغذاء، بل يشير الى حاجته الى نمط مختلف من التغذية: كميات اصغر، سهلة الهضم، وتوفر طاقة تدريجية ومستقرة، بدلا من وجبات كبيرة قد تثقل الجهاز الهضمي وتستهلك طاقة يحتاجها الجسم لدعم جهاز المناعة وتسريع التعافي.
من الاخطاء الشائعة التي يقع فيها كثيرون، سواء المرضى انفسهم او ذووهم، الاعتقاد بان المريض يجب ان يجبر نفسه على تناول وجبات كاملة وكبيرة لاستعادة طاقته.
وفي الواقع، فان توزيع الطعام على فترات قصيرة اثناء اليوم يكون في الغالب اكثر فائدة وارحم للجسم، وان توزيع الطعام كل ساعتين او ثلاث ساعات يساعد الجسم على الحفاظ على مستوى ثابت من الطاقة دون ان يجهد جهازه الهضمي او يضيف اليه عبئا اضافيا.
السوائل ودورها في التعافي
الأطعمة اللينة تاتي في مقدمة ما يوصي به الخبراء في هذه المرحلة: الحساء بانواعه، والخضروات المطهوة التي فقدت صلابتها واصبحت سهلة البلع والهضم، والفاكهة الطازجة كالموز والتفاح المبشور، وهذه الاطعمة تمنح الجسم دعما تدريجيا حقيقيا دون ان تزيد من الشعور بالغثيان او التعب، وهو ما يجعلها الخيار الامثل في ايام المرض.
يميل كثيرون الى اعتبار شرب السوائل اثناء المرض خطوة ثانوية او اجراء مكملا فقط، لكن الحقيقة ان الترطيب له دور اساسي في دعم قدرة الجسم على التعافي، فالسوائل لا تعوض فقط ما يفقده الجسم بسبب الحمى او التعرق، بل تؤثر مباشرة على كفاءة الجهاز المناعي ووظائفه الحيوية.
يساعد الحفاظ على مستوى مناسب من الماء في تقليل لزوجة المخاط في الجهاز التنفسي، مما يسهل عملية التنفس ويخفف الاحتقان، ويساهم في التخلص من الافرازات بكفاءة اكبر.
الفيتامينات والمكملات الغذائية
واظهرت دراسة هندية نشرت في مجلة رابطة الاطباء الهندية، ان الجفاف، حتى وان كان بسيطا او غير مصحوب بالاسهال، يؤثر مباشرة على الطاقة وكفاءة الجهاز المناعي.
وتؤكد الدراسة على اهمية الترطيب الكافي مع تناول المغذيات الدقيقة الاساسية مثل فيتامينات سي وايه، والزنك والسيلينيوم لدعم المناعة وتقليل شدة العدوى وتعزيز التعافي.
ويظل الماء الخيار الامثل دائما، ويمكن دعمه بمشروبات دافئة خفيفة مثل الاعشاب الطبيعية كالزنجبيل والبابونج والنعناع، او العصائر الطازجة غير المحلاة.
استجب لجسمك
وفي الوقت الذي يلجا فيه كثيرون الى المكملات الغذائية فور ظهور اولى اعراض البرد، فان الاولوية ينبغي ان تبقى دائما للمصادر الغذائية الطبيعية، لانها توفر مزيجا متكاملا من الفيتامينات والمعادن والعناصر النباتية الداعمة للمناعة بصورة اكثر فاعلية وتوازنا.
فالفواكه والخضروات الملونة مثل البرتقال والفلفل الاحمر والسبانخ والطماطم تمد الجسم بفيتامينات اساسية مثل ايه وبي وسي، الى جانب معادن مهمة كالحديد والمغنيسيوم، وهذه العناصر يحتاجها الجسم خلال مقاومة العدوى.
ثمة قاعدة ذهبية يمكن اختزال كل ما سبق فيها: الاستماع الى اشارات الجسم وفهمها بدلا من مقاومتها او تجاهلها، فحين يرفض جسمك الوجبة الدسمة ويطلب الحساء الخفيف، فهو لا يدلل نفسه، بل يرسل رسالة واضحة عن احتياجاته الفعلية، وحين تشعر بان قطعة البرتقال او الزبادي البارد يريح معدتك اكثر من اي شيء اخر، فثق بهذا الاحساس واتبعه.
تغير الشهية اثناء نزلات البرد ليس مجرد صدفة، بل هو جزء من استجابة الجسم البيولوجية لمواجهة العدوى، والاستجابة بوعي لهذه الاشارات عبر اختيار اطعمة مناسبة وتقسيم الوجبات والحفاظ على الترطيب وتجنب الافراط في المكملات، يجعل تجربة المرض اقل ارهاقا واكثر فعالية.
