في مقال نشرته صحيفة هآرتس، قدم الكاتب الإسرائيلي حجاي إلعاد تحليلا نقديا للأحداث الجارية في الضفة الغربية، مبينا أن عنف المستوطنين وعمليات القتل والتهجير ليست مجرد حوادث عشوائية، بل تعكس منطقا أعمق يرافق المشروع الصهيوني منذ بداياته، وهو إخضاع الفلسطينيين وحسم "المسألة الديموغرافية" بالقوة عندما يتعذر ذلك بالهيمنة وحدها.
ويرى إلعاد أن إسرائيل قد حققت، على مر العقود، تفوقا شبه كامل على الفلسطينيين في موازين القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، محكمة قبضتها على الأرض والمياه والموارد، لكنها بقيت عاجزة عن حسم التوازن العددي بين الفلسطينيين واليهود في المنطقة الواقعة بين البحر والنهر.
ومن هذا المنطلق، كشف الكاتب أن سياسات الدولة ومؤسساتها، من حكومة وجيش وقضاء وتشريع وهيئات تخطيط، تتجه نحو معالجة هذه الفجوة ليس عبر المساواة، بل عن طريق تقليص الوجود الفلسطيني نفسه.
تحديات التركيبة السكانية
وبحسب المقال، فإن مأزق إسرائيل لا يتيح سوى مسارين نظريا، إما الاعتراف بواقع ثنائي القومية وما يتبعه من مساواة سياسية، وهو خيار يرى إلعاد أنه لا يحظى بقبول حقيقي داخل الصهيونية العملية، أو المضي قدما في التهجير والتطهير العرقي، بحيث يضاف الحسم الديموغرافي إلى ما تحقق بالفعل من حسم سياسي وعسكري واقتصادي.
ومن هذا المنظور، استعاد الكاتب ذكرى دير ياسين ليس كحدث تاريخي محفوظ، بل كنموذج يوضح العلاقة بين المجزرة والتهجير، مستندا إلى مقطع من خطاب ديفيد بن غوريون في الكنيست عام 1949، قائلا إن الجمع بين "أرض إسرائيل الكاملة" و"الدولة اليهودية" لم يكن ممكنا دون مجازر تدفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
واضاف أن حدود إسرائيل لم ترسم بقرارات سياسية وعسكرية فقط، بل بقدر ما أمكن فرضه من تغييرات سكانية بالقوة، فبعد نكبة 1948 تحقق حسم ديموغرافي واسع داخل حدود الدولة الجديدة، بينما أدت حرب 1967 إلى السيطرة على المزيد من الأراضي دون حسم سكاني مماثل، مما أبقى "العقدة" قائمة حتى اليوم.
منطق التهجير القسري
وبين المقال أن الحروب الإقليمية، سواء مع إيران أو في لبنان وسوريا، لا تمس جوهر المشكلة، لأنها لا تغير التوازن السكاني في فلسطين التاريخية، لكن الحرب تتيح ظرفا أكثر ملاءمة لتمرير التهجير.
ولهذا السبب، يربط الكاتب بين هذا المنطق وبين ما وصفه بـ"المذابح الصغيرة" في الضفة الغربية، من هجمات المستوطنين وعمليات القتل المتكررة، وكذلك بتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مخيماتهم ومدنهم، وما حدث في غزة من تدمير واسع ودفْع السكان إلى الانكماش في مساحات أضيق.
وفي تقديره، أوضح الكاتب أنه لا يجري هنا تقليص عدد الفلسطينيين دفعة واحدة، بل ممارسة شكل من "التطهير الداخلي" عبر اقتلاعهم من بيوتهم وتدمير مجتمعاتهم ومصادر رزقهم وحشرهم في مساحات أصغر، على أمل أن يصبح تهجيرهم الأوسع ممكنا حين تتوافر الظروف.
ويختم إلعاد بأن المسألة ليست مفاضلة إسرائيلية بين "دولة يهودية ديمقراطية" ودولة ثنائية القومية، بل إدارة مستمرة لما وصفه بمعضلة ديموغرافية على امتداد طيف يبدأ من الأبارتهايد وينتهي بالتطهير العرقي، ومن هذا المنظور، لا تبدو "دير ياسين" في مقاله حدثا انتهى، بل اسما آخر لمنطق لم يغادر الحاضر، وإن تبدلت أدواته وأحجامه ومسمياته.
