تتصاعد وتيرة الحرب الاستخباراتية في منطقة الخليج، حيث تلاحق دول مجلس التعاون الخليجي بنشاط خلايا إرهابية مرتبطة استخباراتيا بطهران وحزب الله اللبناني، وذلك بالتوازي مع استمرار جهودها في مواجهة الاعتداءات الإيرانية. والجدير بالذكر، النجاح الذي تحقق في صد ما يربو على 6246 صاروخا وطائرة مسيرة، وذلك وفقا لإحصائية حديثة صادرة عن مركز الخليج للأبحاث.
وكشفت مصادر مطلعة أن الأجهزة الأمنية في دول الخليج تمكنت خلال 30 يوما فقط من ضبط 9 خلايا تابعة لإيران أو حلفائها، وخاصة حزب الله، وذلك في 4 دول خليجية هي قطر والبحرين والكويت والإمارات. واضافت المصادر ان هذا الجهد ياتي في اطار الحفاظ على امن واستقرار المنطقة.
وبينت المصادر أن أولى الخلايا التي تم اكتشافها كانت في دولة قطر في 3 مارس الماضي، بينما تم ضبط آخرها في 30 من الشهر ذاته، مما يعني أن الخلايا التسع تم ضبطها خلال 27 يوما فقط، وهو ما يشير إلى أن دول الخليج تضبط خلية أمنية تابعة لإيران كل 3 أيام تقريبا خلال الشهر الماضي.
القبض على العشرات وتفكيك الخلايا الارهابية
واظهرت البيانات أن عدد الذين تم القبض عليهم وضبطهم وتفكيك خلاياهم التسع بلغ نحو 74 شخصا، وهم يشكلون جنسيات مختلفة، بما في ذلك الكويتية واللبنانية والإيرانية والبحرينية، وذلك وفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن دول الخليج. واكدت البيانات الرسمية والاعترافات أن مستهدفات هذه الخلايا تركزت في التخابر مع عناصر إرهابية في الخارج، بهدف النيل من سيادة الدولة وتعريض الأمن والسلامة للخطر، بالإضافة إلى جمع أموال لتنفيذ مخططات وأعمال إرهابية.
واشارت البيانات الى ان المخططات تضمنت اغتيال رموز وقيادات، والإضرار بالمصالح العليا، واختراق الاقتصاد الوطني، وتنفيذ مخططات خارجية تهدد الاستقرار المالي، بالإضافة إلى أعمال تجسسية لجمع المعلومات عن المواقع العسكرية والحيوية، وحيازة طائرات وإحداثيات لمنشآت ومواقع حساسة.
وتتشابه الأعمال والاتهامات الموجهة لهذه الخلايا غالبا مع الخلايا المضبوطة والعمليات التي قامت بها تنظيمات تابعة لإيران في دول الخليج خلال فترات تاريخية سابقة. وبين الدكتور ظافر العجمي المتخصص في أمن الخليج، أن إيران اتبعت منذ ثورة 1979 سياسة تصدير الثورة، وهو ما حول خلاياها النائمة إلى مصدر تهديد وجودي لدول الخليج.
استراتيجية خليجية لمواجهة التهديدات
وتمكنت دول الخليج من ضبط والقبض وتفكيك الخلايا والشبكات التابعة لإيران منذ وقت مبكر لاندلاع الحرب الجارية، وكانت العملية الأولى المعلنة عقب أقل من 72 ساعة من بدء المواجهات العسكرية الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، وهو ما يعكس يقظة أمنية عالية لدى دول المجلس في هذا الإطار. واضاف الدكتور العجمي ان دول الخليج اتخذت خطوات استباقية لمواجهة هذه التهديدات.
وفي التفاصيل، أظهرت البيانات أنه في البحرين فقط تم القبض على 3 خلايا تتكون من 14 شخصا، منهم 12 شخصا تم القبض عليهم، وشخصان تم تحديدهما هاربين بالخارج. وبينت البيانات انه في الكويت تم ضبط 3 خلايا مرتبطة بتنظيم حزب الله المحظور في الكويت، وتتكون إجمالا من 45 شخصا بعضهم تم ضبطهم، وجزء منهم تم تحديدهم هاربين خارج البلاد، بينما أعلنت الإمارات حتى اللحظة عن تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بحزب الله اللبناني وإيران، وأفرادها 5 أشخاص.
وكانت قطر أولى الدول الخليجية التي قبضت على الخلايا التابعة لإيران، في 3 مارس، وكشف الإعلان القطري أنهما خليتان تعملان لصالح الحرس الثوري، ويشكلهما 10 متهمين. واكدت قطر على التزامها بمكافحة الارهاب بكافة اشكاله.
ابعاد ودلالات تفكيك الخلايا الارهابية
ويرى الدكتور العجمي أن طهران تعتمد ما يسمى مروحة الرعب ثلاثية الأبعاد لتطويق المنطقة، وهي الخلايا الإرهابية المحلية، وتجنيد عناصر داخل دول الخليج لزعزعة الاستقرار الداخلي عبر التفجيرات والاغتيالات، بالإضافة إلى محور المقاومة من بناء أذرع إقليمية مسلحة كالحوثيين وحزب الله لمحاصرة الخليج بتهديدات صاروخية ومسيرات، علاوة على ما أسماه الابتزاز النووي عبر استخدام المفاعلات كدرع لحماية أنشطتها التخريبية وابتزاز المجتمع الدولي.
واكد العجمي أن دول الخليج أثبتت كفاءة استثنائية في تفكيك هذه المنظومة من خلال الضربات الاستباقية التي نجحت فيها الأجهزة الأمنية بكشف وإحباط عشرات المخططات قبل تنفيذها، وضبط مستودعات أسلحة ومتفجرات مرتبطة بالحرس الثوري. واضاف ان هذا النجاح يعكس التزام دول الخليج بالحفاظ على امنها واستقرارها.
علاوة على ذلك، يذهب العجمي إلى أهمية التجفيف المالي الذي تمثل في سن دول الخليج قوانين صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما شل حركة الأذرع الإيرانية ماليا، فضلا عن التحالفات الدفاعية وتعزيز التكامل الأمني المشترك على غرار درع الجزيرة وتطوير منظومات دفاع جوي متطورة لصد تهديدات الوكلاء.
ولا يغفل العجمي أهمية الوعي المجتمعي في تحصين الجبهات الداخلية ضد الاستقطاب الطائفي، مما أفقد الخلايا بيئتها الحاضنة المفترضة، وتحول القلق الخليجي إلى استراتيجية ردع شامل نجحت في تحويل هذه الخلايا من أدوات ضغط إلى أوراق خاسرة أمام يقظة الأنظمة الأمنية، على حد تعبيره.
تحليل الخبراء للاستراتيجية الايرانية
ويرى الكاتب البحريني فيصل الشيخ، أن استهداف البحرين والخليج العربي عموما عبر أسلوب صناعة الخلايا الإرهابية والأذرع العميلة يعد تكتيكا إيرانيا قديما متجددا، تعتمده إيران أداة مهمة في حربها بالوكالة، وهدفه تقويض دول الخليج من الداخل وزرع الفوضى بشكل منهجي. واوضح الشيخ ان هذا التكتيك يهدف الى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
ويذهب الشيخ حد الاستنتاج بأن هذه استراتيجية متأصلة لدى إيران، واستراتيجية قائمة على صناعة العملاء وتجنيد ضعاف الولاء وتحويلهم إلى أدوات لضرب أوطانهم، واصفا إياها بالخيانة المنظمة التي لا يمكن تبريرها تحت أي توصيف. وشدد على ضرورة مواجهة هذه الاستراتيجية بكل حزم.
ويتهم المحلل السياسي اللبناني إبراهيم ريحان طهران بأنها ترمي عبر هذه الخلايا إلى زعزعة استقرار دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة منها لزرع الفوضى في المنطقة وتهديد الاستقرار. واشار ريحان الى ان هذه الخلايا تشكل تهديدا حقيقيا لامن واستقرار المنطقة.
ويرى ريحان أن إيران تسعى عبر هذه الأذرع والخلايا الإرهابية لإشاعة الفوضى الأمنية والإيحاء بأن الهجوم عليها من شأنه أن يتسبب بالفوضى في المنطقة. واضاف ان هذا التكتيك يهدف الى تحقيق اهداف سياسية واقتصادية.
ويتضح من خلال متابعة الحرب، وفور اندلاع أول شرارة، أن الأجهزة العسكرية والأمنية الخليجية نجحت في السماء بصد الهجمات، ونجحت أيضا في الحرب التي تدور خلسة في الأرض، وعنوانها تفكيك الخلايا الأمنية التابعة لإيران.
