"اتمنى الموت بدل قعدة الكرسي المتحرك". بهذه الكلمات يختصر الجريح الفلسطيني علاء محمد حسين حكاية الوجع التي تلازمه منذ إصابته في ساقيه قبل نحو عام بـ50 شظية من قنبلة ألقتها مسيرة "كوادكابتر" إسرائيلية في حي تل الهوا غرب مدينة غزة.

منذ تلك اللحظة أصبح الكرسي المتحرك والمشاية (الووكر) رفيقين دائمين لحسين (53 عاما) وهو أب وجد لـ25 ابنا وحفيدا يقيم معهم في خيام بالية بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

ونزح حسين من مدينة غزة في سبتمبر/أيلول الماضي على إثر عملية عسكرية موسعة بدأها الاحتلال قبيل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وبسبب هذه الإصابة أصبح هذا الرجل عاجزا عن الحركة ويحتاج لمساعدة الآخرين حتى في أبسط تفاصيل حياته اليومية.

معاناة الجرحى تتفاقم مع إغلاق معبر رفح

رغم امتلاكه إذن انتقال طبي (تحويلة) للعلاج في بلجيكا منذ تسعة أشهر فإن قيود الاحتلال على معبر رفح البري على الحدود مع مصر وهو المنفذ الوحيد لحوالي مليوني فلسطيني على العالم تحرم حسين ومعه أكثر من 20 ألف جريح ومريض من فرصة العلاج بالخارج في ظل انهيار شبه كامل لمستشفيات غزة.

قبل نحو شهر خضع الجريح الغزي لعملية جراحية في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس في جنوب القطاع إثر إصابته بانزلاق غضروفي في رقبته وهو أحد تداعيات إصابته بشظايا القنبلة لكن العملية لم تكن سوى محاولة لتخفيف الألم لا إنهاء معاناته.

ولا تتوقف معاناة حسين عند هذا الحد بل يقول للجزيرة نت إنه يعاني من مرض في الرئتين وخضع قبل اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023 بنحو عام لعملية جراحية في مستشفى الشفاء حيث اضطر الأطباء لاستئصال جزء من رئته ويحتاج لاستخدام أداة مساعدة للتنفس.

قصص مأساوية تتجسد في عائلة واحدة

وخلال الحرب ازدادت حالته الصحية سوءا وأجبر مع عائلته الكبيرة على النزوح المتكرر منذ المرة الأولى التي تركوا فيها منزلين كانوا يقيمون فيهما في بلدة بيت لاهيا بشمال القطاع دمرتهما قوات الاحتلال كليا ويقول: "خرجنا بملابسنا فقط وفقدت أسطوانتين للأكسجين كنت أستخدمهما للتنفس حياتنا لا تطاق وكل يوم أشعر أن الموت يقترب مني".

وتتعلق حياة حسين بفرصة للسفر بغية العلاج من إصابته كي يستعيد قدرته على المشي وكذلك لحاجته لعملية ثانية دقيقة في الرقبة لعلاج الانزلاق الغضروفي لا تتوفر الإمكانيات لإجرائها في مستشفيات قطاع غزة حسب ما أخبره به الأطباء.

ميساء (31 عاما) ابنة الجريح حسين وهي أم لأربعة أطفال بينهم توأم تحمل بدورها قصة أخرى من قصص المعاناة التي لا تنتهي لمرضى أصبوا "فريسة" للاحتلال والألم في آن.

تدهور الأوضاع الصحية ينذر بكارثة

قبل اندلاع الحرب بشهر واحد اكتشفت ميساء إصابتها بسرطان الثدي إلا أن رحلات النزوح القسرية حرمتها من تلقي العلاج المناسب وتعيش اليوم هي وآلاف من مرضى السرطان بلا وجهة للعلاج بعد تدمير الاحتلال "مستشفى الصداقة الفلسطيني التركي" الوحيد المتخصص في علاج أمراض الأورام.

بقلب يقطر وجعا تقول ميساء للجزيرة نت: "لا يتوفر لنا العلاج أو الغذاء المناسبان كمرضى سرطان فهل هذه حياة؟".

وزادت حياة ميساء بؤسا بإصابة زوجها محمد بجروح نتيجة غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة خان يونس أفقدته القدرة على العمل وأصبحت هي وأسرتها يعتمدون كليا على تكية خيرية متواضعة لتأمين قوت يومهم.

أرقام مفزعة لضحايا الحصار والمعاناة

وتخشى هذه الأم الموت قبل أن تسنح لها الفرصة للسفر وتلقي العلاج برفقة والدها في بلجيكا وهي الدولة التي اختارتها لهما منظمة الصحة العالمية وجهة خارجية للعلاج.

منذ حصولها على التحويل الطبي للعلاج قبل نحو عام ونصف تصارع ميساء الألم واليأس وتقول إن فرص السفر شبه معدومة وأصبح بالنسبة لها حلما في ظل قيود إسرائيلية مشددة تخرق ما تم التوافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار بخصوص عمل معبر رفح بالنسبة للحالات الإنسانية.

تشير بيانات وحدة نظم المعلومات الصحية في وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن عدد المرضى الذين سافروا منذ إعادة فتح المعبر في الفاتح من فبراير/شباط الماضي وحتى الآن يقدر بـ490 مريضا بنسبة التزام بالاتفاق من جانب الاحتلال لا تزيد على 19%.

تعقيدات إدارية تزيد الطين بلة

وينص اتفاق وقف إطلاق النار على سفر 150 مريضا إلى الخارج وعودة 50 مسافرا للقطاع يوميا من حالات إنسانية بينها مرضى وجرحى وطلبة وحملة الجنسيات والإقامات في دول خارجية.

ويقول مدير الوحدة المهندس زاهر الوحيدي للجزيرة نت إن الاحتلال وافق على سفر مرضى وجرحى مع ممارسة خروق متكررة وفرض قيود مشددة ولا يزال يماطل في سفر الفئات الأخرى.

ونتيجة للخروقات الإسرائيلية يقدر الوحيدي أن ما بين 6 و10 مرضى وجرحى يفارقون الحياة يوميا ممن هم على قوائم انتظار السفر للعلاج مشيرا إلى أن 1400 منهم فقدوا حياتهم منذ اجتياح مدينة رفح واحتلال معبرها في 7 مايو/أيار 2024.

مناشدات دولية لإنقاذ حياة المرضى

ويحذر الوحيدي من أن 195 حالة خطيرة للغاية تصنف بأنها في "أعقاب الحياة" وهي قائمة كانت تضم 300 حالة قد تفقد حياتها في أي لحظة إذا لم تتمكن من السفر قريبا وهناك 1971 حالة طارئة في حاجة ماسة للإجلاء بغية العلاج خلال أسابيع قليلة قبل فوات الأوان.

ومن بين نحو 20 ألف حالة تنتظر على قوائم السفر للعلاج يوجد 4 آلاف طفل و4 آلاف مريض أورام حسب بيانات رسمية.

ويقول الوحيدي إن الاحتلال لا يسمح -يوميا- إلا لـ24 حالة بالسفر مع مرافقيها وهذه أعداد لا ترقى لمستوى خطورة الحالات والواقع المتدهور للمنظومة الصحية ويضيف: "نحتاج يوميا لإجلاء ما بين 200 و400 حالة لإنهاء ملف المرضى والجرحى خلال 6 أشهر".

بروتوكولات معقدة تعيق جهود الإغاثة

ويوضح الوحيدي أن ملف الإجلاء يصطدم بإجراءات معقدة ومركبة تستنزف وقتا طويلا في اعتماد التحويلة الطبية والتنسيق للسفر وازدادت الأمور تعقيدا إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستغلها الاحتلال في إغلاق المعبر وإحكام خناق غزة.

وفي تفاصيل عملية التنسيق للسفر يقول الوحيدي إنها "معقدة وتتداخل فيها أدوار جهات محلية ودولية متعددة وتعتمد على سلسلة من الخطوات الإجرائية التي تبدأ من التقييم الطبي المحلي وتنتهي بالموافقة الأمنية واللوجستية الإسرائيلية والدولية".

ولا يتم الإجلاء الطبي إلا بوجود دولة مستضيفة توافق على استقبال المريض وتتم العملية وفق مدير وحدة نظم المعلومات الصحية كالتالي: