بقلم: محمد هذَّال بني صخر
لم تكن غفران بحاجة لصافرة حَكَم لتدرك أن المباراة قد بدأت؛ فصراخ "الإشعارات" التي كانت تسمعها في هاتفها كانت تدوي أسرع من هتافات المدرجات، في شقتها الهادئ بالعاصمة الأردنية عمّان، جلست المعلمة ذات الأصول البغدادية، تحيط بها دفاتر تلاميذها الصغار، بينما يتدفق أمام عينيها سيلٌ من "التعليقات" التي لم تكن تشبه كرة القدم في شيء.
الكلمات كانت تعبر الحدود أسرع من عبور الكرة بين أقدام اللاعبين، شتائم متبادلة بين جمهور المنتخبين، صور تُبين خطاب كراهية شنيع، وهتافات تحولت من مؤازرة المنتخب إلى طعنٍ في الهوية.
بالنسبة لغفران، التي تقاسمت عمرها بين دجلة والبتراء، بين بغداد وعمّان، لم يكن الأمر مجرد "تراشق رقمي" عابر، بل كان تمزيقاً حياً تشعر به في تفاصيل حياتها اليومية.
فيضُ المشاعر: حين تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالكلمات
بينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل بـ "هاشتاغات" الكراهية، كانت غفران تنظر إلى اسم طفل أردني في دفتر التصحيح للواجبات، وإلى لكنتها العراقية التي تشرح له بها دروس المحبة كل صباح، في تلك اللحظة، أدركت "مربيّة الأجيال" أن الخسارة الحقيقية لم تكن في شباك المرمى، بل في تلك البذور السوداء التي بدأت تتسلل إلى ألسنة الصغار، محولةً "لعبة كرة القدم" إلى جدار عازل بين شعبين لا يفرق بينهما سوى خط تماس وهمي.
وخلف الخطوط: غفران.. الهوية التي تسكن بلدين
عاشت غفران في لحظات الكراهية التي كانت تراها وتسمعها على مواقع التواصل الاجتماعي حالة من "التمزق مصحوب بسؤال لماذا يحدث هذا؟"، فهي ابنة الرافدين بوفائها، وابنة الأردن بانتمائها اليومي وأبنة أرضُ العرب، فعمل خطاب الكراهية على جعلها تشعر بغربة مفاجئة وسط مكانين كانت تعتبرهما وطناً واحداً.
تقول غفران وهي تتألم: "الغربة لم توجعني يوماً ما، لكن رؤية الكلمة تتحول إلى رصاصة أوجعت قلبي"، هكذا وصف غفران مشاعرها وهي تشاهد كيف تتحول مباراة رياضية إلى وسيلةٍ لجهلٍ أعمى يدخل بين شعبين تآخا منذ القِدم.
عدوى خطاب الكراهية: عندما يقتحم (الجهل) أسوار المدارس
في صبيحة اليوم التالي للمباراة، لم تكن الشمس التي أشرقت فوق جبال عمان كافية لتبديد غيمة "التعليقات" القاسية، حينها دخلت غفران ساحة المدرسة لتجد أن همسات الصغار في الطابور لم تكن عن الدروس، ولا حتى عن لعبةٍ من ألعاب الصغار، بل كانت انعكاساً مشوهاً لتلك التعليقات ومقاطع الفيديو التي شاهدوها من الجهلة الموجودين في كلا الجمهورين.
وقفت غفران أمام فصلها، تلك المملكة الصغيرة الخاصة بها التي تضم "زيد" الأردني و"ليث" العراقي، لتجد أن جداراً غير مرئي قد ارتفع بين المقاعد، العيون التي كانت تلمع بفضول المعرفة، كانت اليوم محملة بأسئلة "السيادة" والكرامة الوطنية (الزائفة) التي ضخها الكبار الجهلة في عقولهم الغضة. "يا مس.. لماذا قالوا عنا كذا؟" سأل أحدهم ببراءة جارحة، لتدرك غفران أن الكراهية قد وصلت بالفعل إلى أخطر مراحلها: عدوى الأجيال القادمة.
ممحاة المعلمة: هدفٌ في مرمى الوعي
لم تفتح غفران الكتاب، بل توجهت إلى السبورة ورسمت دائرة كبيرة، وقالت: "هذه هي الكرة"، ونطقت بصوتٍ هادئ هزّ سكون القاعة، "داخلها هواء.. لكن خارجها، هناك قلوب إما أن تتسع للجميع، أو تضيق حتى تخنق صاحبها"، الأطفال منهم من أدرك قولها ومنهم من لم يدرك..
لم تكتفِ غفران المعلمة بالوعظ، بل جعلت من حصتها "مختبراً للتسامح"، طلبت من كل طالب أن يكتب صفة جميلة يحبها في زميله "المنافس"، راقبت غفران بدموع مخفية كيف بدأ الجليد يذوب؛ كيف كتب زيد لليث عن "كرم أهله"، وكيف رد ليث بحديث عن "شهامة زيد"، في تلك الساعة، كانت غفران تحارب خطاب الكراهية بـ "ممحاة" تربوية، تمسح بها آثار التلوث الرقمي الذي حصل على مواقع التواصل الاجتماعي.
أبعد من 90 دقيقة: دروس لا تمحوها صافرة النهاية
غادرت غفران المدرسة في ذلك اليوم، وألقت نظرة أخيرة على هاتفها، كانت "الحرب الرقمية" لا تزال مستعرة، والشتائم تتوالى بلا توقف، لكنها ابتسمت وهي ترى "زيد" و"ليث" يخرجان من البوابة معاً، يتقاسمان شطيرة واحدة ويضحكان لقصة لا علاقة لها بكرة القدم.
وضعت هاتفها في حقيبتها، ومشت في شوارع عمان، مدركةً أن الضجيج قد يملأ الفضاء، لكن الصدق وحده هو من يبني البيوت، لقد سجلت غفران اليوم هدفاً، لم يُحسب في لوحة النتائج، لكنه استقر في "مرمى" المستقبل؛ مذكرّةً إيانا بأن الوعي الشعبي والتربوي هو السد المنيع الأخير أمام خطاب الكراهية العابر للحدود.
أنسدلت القصة.. ولم ينتهي سعيُنا في الوقوف بوجه "خطاب الكراهية"
