في قلب مخيم البريج بقطاع غزة، حيث تتراص خيام النزوح، تخلق شيرين الكردي (36 عاما) عالما من الأمل. فبأنامل ماهرة وإبرة كروشيه، تحول الخيوط الملونة إلى دمى تنبض بالحياة، متحدية بذلك قسوة الحرب. هذه الدمى الصغيرة ليست مجرد ألعاب، بل هي محاولة جادة لإعادة الفرح إلى قلوب الأطفال الذين حرموا من طفولتهم.
نزحت شيرين مع عائلتها المكونة من زوجها وخمسة أطفال من مخيم جباليا بعد أن دمر منزلهم. وبينما تحاول التأقلم مع واقع النزوح الصعب، قررت أن تستثمر مهاراتها في الحرف اليدوية لإعالة أسرتها. فلم تجد أمامها سوى صناعة الدمى، لتعويض النقص الحاد في ألعاب الأطفال في الأسواق.
تقول شيرين إن فكرة صناعة الدمى جاءت بعد أن فقد زوجها عمله بسبب الحرب، وازدادت الأوضاع المعيشية سوءا. ومع اقتراب العيد ورغبتها في إدخال البهجة على قلوب الأطفال، قررت أن تصنع دمى كروشيه ملونة لبيعها في الأسواق المحلية.
إحياء الفرح بلمسة إبداعية
بدأت شيرين بصناعة الدمى والفساتين المطرزة، وعرضها للبيع في الأسواق المحلية. واضافت أن الهدف من ذلك هو إعادة جزء من فرحة العيد إلى وجوه الأطفال الذين فقدوا كل شيء. وبينت أن هذه الدمى الصغيرة تحمل رسالة مفادها أن العيد ما زال ممكنا رغم كل الظروف.
وتوضح شيرين أنها لم تكن تتخيل يوما أن تتحول خيمتها المتواضعة إلى ورشة عمل. واكدت أنها تحاول أن تصنع شيئا يمنح الأطفال شعورا بالحياة والأمل. وبينت أن هذه الدمى ليست مجرد ألعاب، بل هي رمز للصمود والتحدي.
وتضيف شيرين: "من حق كل طفل في غزة أن يملك لعبة في العيد كباقي أطفال العالم. وأوضحت أنها تحاول توفير ألعاب بسيطة تعيد إلى وجوههم ابتسامة غابت طويلا. وبينت أنها تمنحهم لحظة فرح يشعرون فيها بأنهم ما زالوا أطفالا".
تحديات وصعوبات
تعمل شيرين في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فلا كهرباء ولا تهوية مناسبة ولا مساحة كافية. ورغم ذلك، استطاعت إنتاج دمى تناسب القدرة الشرائية في غزة رغم ارتفاع أسعار الخيوط وشحها.
وتوضح شيرين أن هامش الربح قليل جدا مقارنة بالجهد المبذول. واضافت أنها مضطرة للعمل لساعات طويلة لأنه مصدر دخلهم الوحيد في هذا الواقع الصعب. وبينت أنها تسعى جاهدة لتوفير حياة كريمة لأطفالها.
لا تقتصر مسؤوليات شيرين على العمل فقط، فهي تحاول أيضا تعويض أطفالها عن انقطاعهم عن المدارس. وتدرس لهم داخل الخيمة بما تيسر، رغم غياب الكتب والوسائل التعليمية. وبينت أن أكثر ما يؤلمها هو خوفها على مستقبلهم التعليمي.
طموحات وآمال
وتطمح شيرين إلى تطوير عملها في صناعة وتطريز الدمى. وبينت انها تحلم بالانتقال من الخيمة إلى مشغل أوسع يضم فتيات وسيدات يمتلكن مهارات مماثلة. واضافت انها تطمح لإنتاج أعمال أكثر احترافية وتسويقها محليا وخارجيا.
تدعو شيرين المؤسسات إلى دعم مشروعها وتبنيه. واكدت أن هذا الدعم سيساهم في تمكينها من تحقيق حلمها وتوفير فرص عمل لنساء أخريات. وبينت أن مشروعها الصغير يمكن أن يتحول إلى قصة نجاح ملهمة.
من جانبه، يسعى زوجها محمد مصطفى إلى دعمها في كل خطوة، من توفير المواد إلى تجهيزها. وقال محمد إن الفكرة بدأت كحل اضطراري بعد فقدانه عمله. واضاف ان المسؤوليات كبيرة والحياة صعبة ولا يوجد مصدر دخل ثابت، لذلك كان لا بد من البحث عن أي فرصة للاستمرار.
دعم عائلي ومجتمعي
أما والدها مجدي الكردي، فيرى أن ما تقوم به ابنته يتجاوز حدود العمل. وقال مجدي إن شيرين كانت دائما قوية، لكن ما تفعله اليوم يزيد فخره بها. واضاف انه رغم النزوح وفقدان البيت، لم تنتظر المساعدة، بل وقفت مع زوجها بشجاعة.
ويضيف مجدي أن ما تفعله شيرين ليس مجرد مشروع صغير، بل قصة كرامة. وأوضح أنها لا تعيل أسرتها فقط، بل تقدم نموذجا لكل امرأة بأن الظروف مهما كانت قاسية لا يجب أن تكسرها. وبين أن ما تصنعه اليوم ليس دمى فقط، بل مستقبل لها ولأطفالها.
وترى أختها كوثر الكردي أن شيرين تمثل نموذجا للصبر والإرادة. مؤكدة أنها لم تستسلم للظروف، بل حولت المعاناة إلى دافع للعمل. واضافت أن دعم العائلة لها ينبع من إيمانهم بقدرتها على النجاح.
قصة ملهمة للصمود
تقول زميلتها دعاء عابد إن شيرين كانت تدرك صعوبة الطريق، وأن التحدي الأكبر تمثل في تقبل الناس لفكرتها وإمكانية تسويق منتجاتها. واضافت أنها راهنت على مهارتها وإبداعها، وبدعم من محيطها نجحت في إثبات نفسها.
ولا يقتصر مشروع شيرين على كونه مصدر دخل، بل يحمل أبعادا نفسية واجتماعية تعكس قدرتها على التكيف مع واقع قاس. ويؤكد الأكاديمي والخبير في الصحة النفسية المجتمعية أحمد حمد أن تجربتها تمثل نموذجا للصمود النفسي. واضاف انه رغم ما واجهته من فقدان المنزل والنزوح وانقطاع الدخل، وهي ظروف قد تقود عادة إلى القلق أو الاكتئاب، إلا أنها استطاعت تحويل مشاعر الفقد إلى طاقة إيجابية.
ويضيف حمد أن شيرين عززت ثقتها بنفسها وسعيها للاستقلال. واكد ان العمل منحها شعورا بالسيطرة والمعنى، وأسهم في دعم الأطفال نفسيا عبر ما تقدمه من ألعاب. وبين على الصعيد الاجتماعي، أن تجربة شيرين تعكس الدور المحوري للمرأة في مواجهة الأزمات.
