في غزة المحاصرة، تتحدى سميرة تومان، أم لسبعة أبناء، آثار القصف الإسرائيلي على منزلها، وتحاول جاهدة إعادة إحياء فرحة عيد الفطر، فرغم الحطام والدمار، تنبعث روائح الكعك والمعمول الشهية من بين الأنقاض، حيث تعمل سميرة مع بناتها وزوجة ابنها لإعداد حلويات العيد.
تعمل سميرة بجد ونشاط في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، مستبقة حلول العيد الذي يأتي بعد فترة عصيبة شهدها القطاع، وبينما تعجن الأم العجين بعناية، تقوم ابنتها بتقطيع كرات التمر الممزوج بالسمسم لحشو الكعك، وهكذا تتواصل العملية حتى يصلوا إلى مرحلة الخبز.
وتبلغ سميرة من العمر 60 عاما، وتستمد قوتها من إصرارها على إدخال البهجة إلى قلوب عائلتها وجيرانها، ورغم الصعوبات والتحديات التي تواجهها، فإنها تصر على الاحتفال بالعيد قدر الإمكان، وتعتبره موسما للبركات والأمل.
ازمة المكونات الاساسية
وأمام فرن متوهج تغذيه نار الحطب، تتناوب سميرة وبناتها على خبز الكعك، ورغم أن هذه المرحلة هي الأصعب بسبب نقص غاز الطهي، فإن سميرة وبناتها ينغمسن في عملهن، مستمتعات بالإنجاز الذي يحققنه، وتقول سميرة وهي تمسح العرق عن جبينها: "هذا هو العيد، موسم البركات، صحيح أننا لا نحتفل بالقدر نفسه الذي كنا نحتفل به قبل الحرب، عندما كنت أعجن وأخبز حتى فجر يوم العيد".
والكعك الذي تعده العائلة هذا العام ليس لأسرتهم فقط، بل يشمل أيضا طلبات من زبائن وجيران، مما يمنح العائلة بعض المال قبل عيد الفطر، وتوضح سميرة أن الطلب جيد جدا على منتجاتها رغم ارتفاع أسعار المكونات، مبينة أن الناس يريدون أن يستعيدوا قليلا من طعم الفرحة بالعيد.
وفي هذا السياق، كشفت سميرة أنها كانت تخطط في نهاية فبراير لشراء المكونات، لكن الحرب الإسرائيلية على إيران تسببت في إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المكونات الأساسية.
صعوبات وتحديات تواجه العائلة
واضافت سميرة أن إعادة فتح المعابر بشكل جزئي لم يغير من واقع ارتفاع الأسعار، وقالت: "هناك دائما أشياء تنغص الفرح، هناك دائما سعادة في غزة، لكنها لا تكتمل أبدا"، وبينت أنها كانت سعيدة في بداية رمضان، لكن فرحتها تلاشت مع الارتفاع الجنوني لأسعار الخامات.
واشارت سميرة إلى أن ابنها يقوم بتكسير قطع الأثاث التي جمعها من المنازل المدمرة لاستخدامها كحطب، قائلة: "لقد نسينا معنى العمل في المطبخ بنظام وكرامة ونظافة، أصبح الطبخ والعمل الآن مرتبطين بالسخام والنار"، وتذكرت سميرة الفترة التي سبقت الحرب عندما كانت تدير مشروعها المنزلي من خلال صفحة على التواصل الاجتماعي.
واكدت سميرة أنها كانت لديها قائمة يومية وطلبات ممتازة، وأنها كانت قادرة على إعالة أسرتها، وكان لديها مطبخان مجهزان بالأدوات والخلاطات الكهربائية والأفران، إضافة إلى المكونات الخام، لكن الحرب دمرت كل شيء، والآن تبدأ من الصفر.
الوضع في غزة يزداد صعوبة
ومنذ بداية الحرب على غزة، يعيش سكان القطاع في ظروف صعبة للغاية، فالكثير منهم يقيمون في ملاجئ مؤقتة، ويواجهون شحا كبيرا في السلع الأساسية، وحتى عندما تتوفر السلع فإن أسعارها مرتفعة، مما يجعلها غير متاحة للكثيرين.
كما أن إغلاق المعابر الحدودية أمام دخول البضائع والإمدادات الغذائية أدى إلى نقص حاد في المنتجات المتاحة وارتفاع سريع في الأسعار بالأسواق المحلية، ورغم السماح بدخول الغذاء والمساعدات والوقود بكميات محدودة بعد وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل لا تزال تسيطر على معابر غزة، مما يجعل تدفق البضائع غير مستقر.
وشددت سميرة على أن الزيادات في الأسعار تضع العائلات أمام معضلة صعبة، وهي ما إذا كانت ستدفع الأسعار المرتفعة من أجل الحفاظ على تقاليد عيدها، أو ستوجه الأموال نحو إدارة ميزانياتها المنزلية اليومية، لا سيما مع انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
واوضحت سميرة أنها وأقاربها عانوا كثيرا خلال الحرب، وواجهوا النزوح المتكرر والتنقل وفقدان أساسيات سبل العيش والحياة، وقالت: "لقد عدنا قبل شهر واحد فقط من آخر نزوح لنا في خان يونس"، مشيرة إلى أنهم نزحوا للمرة الثانية في سبتمبر إلى منطقة مواصي خان يونس بعد دخول قوات الاحتلال.
وبينت سميرة أنها لم تكن ترغب في العودة بعد انتهاء الحرب، لكنها رضخت في النهاية لضغط عائلتها وأطفالها وعادت إلى شمال غزة مع بقية أفراد العائلة، ووصفت شعورها بالعودة إلى منزل مدمر بأنه ليس جميلا، فالعودة جميلة عندما ترجع إلى منزل صالح للعيش وليس عندما تعيش وسط الركام وبدون أي مقومات للحياة.
واكدت سميرة أن أحد أسباب تأخير عودتها إلى بيتها هو خشيتها من عدم وفاء إسرائيل بأي من التزاماتها واتفاقياتها التي أبرمتها عند توقيع وقف إطلاق النار، والتي تشمل السماح بدخول كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية إلى غزة ووقف الهجمات الإسرائيلية، لكن إسرائيل واصلت بدلا من ذلك شن هجمات متقطعة وفرض قيود منتظمة على الواردات إلى غزة.
واختتمت سميرة حديثها قائلة: "نأمل هذا العام أن يجلب العيد أياما أفضل، وأن تتحسن أوضاعنا وتستقر، وأن تنخفض الأسعار، وأن تدخل المواد الخام ومواد البناء إلى غزة"، وتمنت أن ينتهي هذا الوضع الصعب الذي طال أمده أكثر من اللازم.
