يواجه الممثل الفلسطيني معتز ملحيس، بطل فيلم "صوت هند رجب"، وضعا صعبا يثير جدلا سياسيا حول أحد أبرز الأعمال في موسم الجوائز السينمائية الحالي، إذ لن يتمكن ملحيس من حضور حفل توزيع جوائز الأوسكار في لوس أنجلوس، رغم وصول الفيلم إلى القائمة القصيرة لأفضل فيلم وثائقي.

يعود سبب هذا الغياب القسري إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع حاملي وثيقة السفر الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة، وقد عبر الممثل عن ذلك في منشور عبر حسابه الرسمي قائلا: "باق ثلاثة أيام على حفل توزيع جوائز الأوسكار، فيلمنا مرشح لجائزة الأوسكار، تشرفت بأداء أحد الأدوار الرئيسية في قصة كان العالم بحاجة لسماعها، لكنني لن أكون حاضرا، لا يسمح لي بدخول الولايات المتحدة بسبب جنسيتي الفلسطينية".

واكد ملحيس أن الأمر مؤلم لكنه واقع مفروض، مضيفا أن السلطات قد تملك القدرة على منع جواز سفر، لكنها لا تملك القدرة على منع الصوت، وشدد على أنه يقف شامخا بفخر وكرامة، وأن قصته أعظم من أي حاجز وسوف تسمع.

تجسيد الحصار

وتتجلى في هذا المنع مفارقة تراجيدية تعيد إنتاج حصار هند رجب بصورة سياسية، فالممثل الذي جسد في الفيلم دور المسعف الذي يحاول كسر الحواجز والوصول بصوته وتنسيقه لإنقاذ الطفلة من "مربع الموت"، يجد نفسه اليوم محاصرا بقرار استهدف وثيقة سفره ومنعه من الوصول إلى المنصة العالمية، كما منعت هند من الوصول إلى طواقم الإسعاف حينها.

وبين "منع الوصول" الذي أدى إلى جريمة قتل هند رجب، و"منع الوصول" الذي يحرم ملحيس من الحضور في هوليوود، يكتسب دور الممثل الفلسطيني في الفيلم أبعادا تتجاوز حدود التمثيل، إذ يتحول صوته في "غرفة عمليات الإسعاف" السينمائية إلى صرخة حية ضد سياسات العزل التي تلاحق الفلسطيني، ليصبح غيابه امتدادا رمزيا للحواجز التي أعاقت وصول سيارات الإسعاف في غزة، وتجسيدا لفكرة الفيلم بأن "منع الوصول" هو الأداة الأشد فتكا في محاولة تغييب الحقيقة.

ويستند الفيلم الذي أخرجته التونسية كوثر بن هنية في إنتاج تونسي فرنسي مشترك إلى وقائع جريمة قتل الطفلة هند رجب في قطاع غزة في يناير الماضي، بعد أن علقت داخل سيارة تعرضت لإطلاق نار مباشر أثناء فرار عائلتها، وأصبحت مكالمة الاستغاثة الهاتفية التي أجرتها هند مع الهلال الأحمر الفلسطيني واحدة من أكثر التسجيلات الإنسانية تأثيرا في التاريخ الحديث.

تفاصيل الفيلم

ويعيد الفيلم بناء تلك اللحظات عبر مزيج فني يجمع بين الدراما والوثائقي في 89 دقيقة، مستخدما التسجيلات الصوتية الحقيقية للمكالمة إلى جانب مشاهد تمثيلية تدور داخل غرفة عمليات الإسعاف، بمشاركة طاقم ممثلين يضم سجى الكيلاني وعامر حليحل وكلارا خوري، بالإضافة إلى معتز ملحيس، وبدعم إنتاجي من أسماء عالمية مثل براد بيت وخواكين فينيكس وروني مارا وألفونسو كوارون.

وقد حقق الفيلم نجاحا استثنائيا منذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم "الأسد الفضي"، وتلقى تصفيقا استثنائيا تجاوز 20 دقيقة، قبل أن يواصل رحلته في مهرجانات "تورونتو" و"سان سيباستيان"، وصولا إلى اختياره ضمن القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار وتمثيله تونس في سباق أفضل فيلم دولي.

ياتي منع ملحيس من الحضور في سياق قرار سياسي امريكي وقعه الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر الماضي، يقضي بعدم منح تاشيرة دخول الولايات المتحدة للاشخاص الذين يستخدمون وثائق سفر صادرة عن السلطة الفلسطينية، وهو القرار الذي دخل حيز التنفيذ مطلع هذا العام.

قيود على التاشيرات

وفرض القرار قيودا شبه كاملة على إصدار التأشيرات لحملة تلك الوثائق، مبررا ذلك باعتبارات "الأمن القومي"، وبموجب هذا الإجراء توقفت القنصليات الأمريكية عن إصدار تأشيرات للفلسطينيين إلا في حالات محدودة جدا، مما أثار انتقادات حقوقية اعتبرت القرار تحولا يستهدف الهوية الفلسطينية ذاتها.

وليس ملحيس أول مبدع يحرم من حضور واحدة من أهم منصات السينما العالمية، فقد تكرر حرمان صناع أفلام من دخول الولايات المتحدة تحت ذرائع قانونية وسياسية مختلفة، ففي عام 2017 ألغت السلطات الأمريكية تأشيرة المصور السوري خالد الخطيب، أحد المشاركين في فيلم "الخوذ البيضاء"، قبل سفره مباشرة، في قرار عزته تقارير إعلامية أمريكية إلى "معلومات أمنية سلبية" ظهرت خلال التدقيق، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

كما واجه الممثل المكسيكي خورخي أنطونيو غيريرو، أحد أبطال فيلم "روما" للمخرج ألفونسو كوارون، رفضا متكررا لطلب تأشيرة سياحية في عام 2019، بدعوى عدم استيفائه شروط التأشيرة المؤقتة وإثبات نية العودة إلى بلده، قبل أن ينجح في السفر لاحقا بفضل تدخل منتجي الفيلم.

وغاب المخرج السوري فراس فياض عن حفل الأوسكار عام 2018 بعد رفض منحه تأشيرة دخول، في سياق سياسات حظر السفر التي استهدفت مواطني عدة دول آنذاك، رغم ترشيح فيلمه الوثائقي "آخر الرجال في حلب" للجائزة.

تكشف هذه الحالات المتعاقبة أن الأسباب المعلنة لمنع المبدعين تراوحت بين اعتبارات أمنية وقيود سياسية مرتبطة بتقلبات سياسة السفر الأمريكية، لكن حالة معتز ملحيس تضيف فصلا خاصا إلى سجل غزة الذي بات حاضرا بقوة في نقاشات هوليوود منذ 7 أكتوبر.