في ظل تصاعد التوترات الإقليمية ومع دوي صافرات الإنذار، تحول "مجلس السلام"، الذي كان يوصف بأنه "أهم هيئة دولية" بمبادرة أمريكية طموحة لإعادة إعمار غزة، إلى مجرد مشروع ثانوي مهمش على خلفية الأولويات الدولية المتغيرة، وذلك بعد أن استحوذت الحرب على إيران على اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
الخطة التي بدأت بزخم كبير في بداية العام، وتضمنت تعهدات من 24 دولة بأكثر من 16 مليار دولار لتحويل قطاع غزة إلى "منطقة خالية من السلاح" وإعادة بنائها، تواجه اليوم مصيرا غامضا في ظل انشغال المبعوثين الأمريكيين بملفات إقليمية أخرى، وتراجع التعهدات المالية، وعجز الدول المشاركة عن ممارسة ضغوط كافية على إسرائيل التي تواصل ابتزازها السياسي والأمني للفلسطينيين.
ويرى خبراء وباحثون أن الحرب على إيران "قوضت فكرة مجلس السلام من داخله"، مشيرين إلى مفارقة واضحة، فالرئيس الأمريكي، الذي يزعم أنه يسعى للإشراف على السلام وتحقيق النجاح حيث فشلت الأمم المتحدة، هو نفسه الذي يشن حربا دون تفويض أممي أو أساس قانوني.
تراجع الاهتمام الدولي بغزة
ووصفوا ما يحدث بأنه تحول للخطة إلى مسار ثانوي وهامشي، ولم تعد في دائرة اهتمام إسرائيل والولايات المتحدة أو حتى المجتمع الدولي، في حين أصبح الوضع في غزة مأساويا للغاية، ويقلل من أي أمل في المستقبل القريب.
وكشف موقع "بوليتيكو" عن أن المبادرة، التي اكتسبت زخما أوليا بمتابعة مباشرة من المبعوثين الأمريكيين، تتراجع حاليا بسبب انشغالهم بملفات إقليمية أخرى، خاصة المواجهة مع طهران التي بدأت في 28 فبراير.
والمفارقة الأكبر هي أنه بينما تنفق الولايات المتحدة نحو مليار دولار يوميا على حربها في إيران، يعيش نحو مليوني فلسطيني في غزة واقعا مأساويا يزداد سوءا كل يوم، في ظل تراجع الاهتمام الدولي وتعطيل المعابر وانقطاع المساعدات.
تأسيس مجلس السلام وتوقعات مبالغ فيها
وكان "مجلس السلام" قد دُشّن في 22 يناير في دافوس السويسرية، كتتويج لخطة ترامب التي أصدرها البيت الأبيض في 29 سبتمبر، والتي دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، يليه برنامج شامل لإعادة الإعمار وإعادة تنظيم الوضع السياسي والأمني في القطاع.
وحين أعلن الرئيس الأمريكي تدشين مجلس السلام، قال إنه "سيثبت أنه أهم هيئة دولية في التاريخ"، معربا عن فخره لتولي رئاسة هذه الهيئة، بل إن طموح المجلس امتد إلى أكثر من قطاع غزة وفقا لميثاقه التأسيسي، حيث يسعى إلى منافسة الأمم المتحدة ذاتها، حسب ما قاله المتحدثون.
ويوضح الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن، أسامة أبو ارشيد، أن "ترامب تحدث عن الأمم المتحدة على أنها فشلت في حفظ السلام الدولي، والميثاق يؤكد عمليا هذا الفشل"، مشيرا إلى أن مجلس السلام سيعبئ هذا الفراغ ويصلح نقاط الضعف لدى الأمم المتحدة.
واضاف أبو ارشيد ان ذلك اثار في وقته انتقادات دولية واسعة، حتى من قبل دول اوروبية حليفة للولايات المتحدة، التي رات في هذا المشروع محاولة لتجاوز المؤسسات الدولية القائمة.
لكن بوادر التراجع ظهرت بوضوح مع اندلاع الحرب على إيران، حيث أعادت إسرائيل إغلاق معبر رفح، مما أدى إلى تراجع حاد في دخول المساعدات إلى القطاع، ورغم أن ترامب لا يزال يعول على مبعوثيه، مؤكدا أنهما "يقودان جهودا مهمة"، فإن زيارتهما المقررة لإسرائيل أُرجئت، في إشارة واضحة إلى تراجع الزخم السياسي للمبادرة.
تأثير الحرب على الالتزامات المالية
وكان من نتائج الحرب على إيران تضرر الالتزامات المالية والسياسية الدولية، ويشير أبو ارشيد إلى أن "الولايات المتحدة تصرف مليار دولار يوميا على حربها في إيران"، في حين أن "التعهد الغامض من الولايات المتحدة بـ10 مليارات لم يقره الكونغرس".
وكذلك تصطدم التعهدات الخليجية بمعاناة كبيرة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية ومن تعطل أو صعوبات في نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز، كما قال الباحث السياسي.
ويضيف أن هذا "وضع ضغوطا كبيرة على هذه الدول اقتصاديا، مما يجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كانت ستقدم شيئا في المرحلة القادمة"، كما أن "الدول الأخرى تعاني من ارتفاع تكلفة أسعار الطاقة بسبب الحرب في إيران، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذا المشروع أو تجميده".
إعادة تقييم الالتزامات السياسية
وعلى الصعيد السياسي، بدأت دول إعادة تقييم التزاماتها تجاه المشروع نفسه، ويوضح أبو ارشيد أن "دولة مثل إندونيسيا، التي تعهدت بالمشاركة في القوات الدولية المتجهة إلى غزة، بدأت إعادة النظر في هذا الدور لأن فكرة مجلس السلام وقوة الاستقرار بدأت تفقد قيمتها في ظل الحرب على إيران".
ويصف مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام، إبراهيم المدهون، وضع غزة اليوم بأنه "مأساوي للغاية، لا يحتمل ولا ينبئ بأي أمل في المستقبل القريب"، ويضيف أن نحو مليوني فلسطيني يعيشون في ترقب دائم وقلق عميق، مع استمرار العدوان الإسرائيلي، وانشغال المنطقة والوسطاء بالحرب الدائرة حاليا بالمنطقة.
ويشدد المدهون على أن "الاحتلال الإسرائيلي يستغل هذه الحرب لزيادة الضغط على المدنيين، بينما الانشغال الدولي والإعلامي يتركهم مهملين في قلب الأزمة، ويصبح كل يوم يمر زيادة في معاناتهم، ويجعل أبسط الاحتياجات الأساسية من غذاء ووقود ودواء رفاهية بعيدة المنال".
الابتزاز الإسرائيلي وتدهور الأوضاع في غزة
أما المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، الدكتور محسن صالح، فيؤكد أن الطرف الإسرائيلي هو في الأساس طرف معطل يقوم بعملية ابتزاز سياسي وأمني واقتصادي"، ويضيف "إسرائيل ما تزال تسيطر على المعابر وتمنع دخول المساعدات وكل ما يتعلق بالإعمار، ونسبة ما يدخل من الشاحنات بالكاد تصل للثلث.
ويلفت صالح إلى أن "الذي يحدث الآن هو أنه عندما صار موضوع غزة في الظل، زاد الأمر سوءا وزادت حالة الابتزاز الإسرائيلي للطرف الفلسطيني"، ويتوقع أن "يبقى هناك إدخال بحد أدنى من المساعدات، لكن بالتأكيد دون تلبية الاحتياجات الحقيقية لقطاع غزة، وستظل عملية الابتزاز مستمرة للأسف، مع وجود الغطاء الأمريكي".
الخطة الأمريكية وصلاحيات الرئيس
وتكمن المشكلة الجوهرية، وفق المحللين الذين تحدثوا، في بنية الخطة الأمريكية ذاتها وتوزيع الصلاحيات فيها.
ويوضح المدير العام لمركز الزيتونة أن "أصل الخطة يمنح الولايات المتحدة ورئيسها صلاحيات كاملة وحاسمة في إدارة قطاع غزة"، وأضاف أن "تلك الصلاحيات تخوله فرض رؤيته، ولا توجد صلاحيات واضحة ومحددة للدول الأخرى داخل هذا الإطار تمكنها من الضغط أو فرض شروطها على ترمب أو الإدارة الأمريكية أو حتى الجانب الإسرائيلي".
ويخلص صالح إلى أن "نتيجة لذلك، استمر الطرف الأمريكي في إعطاء الغطاء للطرف الإسرائيلي وفي تعطيل إنفاذ الاتفاق حتى يتم فرض أمر واقع إسرائيلي أمريكي على قطاع غزة، وبالتالي ظل دور الدول المشاركة هامشيا ومحدودا".
تأثير نتائج الحرب على مصير الخطة
يبدو أن الجانبين الأميركي والإسرائيلي يراهنان على نتيجة الحرب مع إيران، ويوضح صالح أن "النتائج إذا كانت لصالحهما واستطاعا أن يفرضا شروطهما، فسيكونان أقدر على الاستفادة من استحقاقات الحرب لفرض الشروط والمعايير في قطاع غزة، وهذا قد يؤدي إلى تعظيم المكاسب لديهما ومحاولة إخضاع غزة بشكل أقوى وفق الحسابات والمعايير والاستحقاقات الجديدة".
من جهته، يحلل المدهون السيناريوهات المحتملة بتفصيل أكبر: "إذا انتصرت أميركا وإسرائيل انتصارا مطلقا، فقد يفرضان واقعا جديدا ويغيران الخطة لتصبح خاضعة لمفهوم النصر الإسرائيلي المطلق.
أما إذا استنزفت الحرب القوى الإسرائيلية وأنهكتها ودخلت تل أبيب في أزمات سياسية، فلن تكون لديها قدرة على عرقلة تنفيذ الخطة كما يحدث الآن، مما قد يؤدي إلى تطبيقها بانسحاب الاحتلال من غزة.
ويضيف المدهون: "أما إذا بقي الوضع على حاله أو وصلنا إلى مرحلة تعادل في الحرب، فستبقى إسرائيل تماطل في التنفيذ، لكنها لن ترفض الخطة بالكامل، ولن تشن عدوانا مباشرا كما تهدد".
لكن أبو ارشيد يحذر من أن قضية سلاح المقاومة الفلسطينية ستبقى مثل "مسمار جحا" بالنسبة لإسرائيل: "الجانب الإسرائيلي لا يزال يتحدث عن سلاح حماس، وإذا انتهت المعركة مع إيران فمن المؤكد أن هذه المسألة ستعود لمركز النقاش وهو السلاح الذي تملكه المقاومة الفلسطينية والذي ستصر إسرائيل والولايات المتحدة على نزعه".
فوقف إطلاق النار سواء بانتصار على إيران وإسقاط النظام كما يقول الجانب الأميركي الإسرائيلي أو يتمنى، أو عبر صفقة، سيعيد التركيز على سلاح قطاع غزة، لكن هذا سيكون موضوع التركيز وليست المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، كما قال الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تحول مجلس السلام الذي طُرح كبديل للأمم المتحدة و"أهم هيئة دولية في التاريخ" إلى مشروع على الهامش، بينما يبقى مليونا فلسطيني في غزة يعانون من واقع مأساوي يزداد سوءا يوما بعد يوم، في انتظار أن تحسم الحرب على إيران مصير خطة كانت تحمل وعودا بالسلام تبخرت مع أول قذيفة انطلقت نحو طهران.
