بعد مرور اربعة ايام على بدء العمليات العسكرية التي تقودها امريكا واسرائيل، لا يزال نظام الحكم في ايران قائما، الا ان الوضع الراهن يختلف عما كان عليه قبل الضربة الافتتاحية التي استهدفت المرشد علي خامنئي.
ورغم ان عملية اغتيال شخصية بهذا الحجم في السلطة الايرانية قد خلقت فراغا سياسيا ورمزيا كبيرا، الا ان ذلك لم يؤد الى انهيار كامل لمنظومة الحكم، والتي صممت على ما يبدو لتحمل الصدمات من خلال طبقات متداخلة من المؤسسات الامنية والعسكرية والبيروقراطية والدينية.
وبينما لا يصح افتراض انهيار النظام بمجرد موت المرشد، الا انه من غير المنطقي ايضا تصور ان النظام الايراني سيمر بسلاسة الى المرحلة التالية دون مواجهة تحديات كبيرة.
خيارات صعبة امام القيادة الايرانية
الامر الاكثر دلالة على ان هذه الحرب تتجاوز مجرد استهداف القدرات العسكرية، هو اختبارها لاليات الخلافة في السلطة، حيث اشارت التقارير الى استهداف مواقع مرتبطة بمؤسسة اختيار المرشد الجديد.
واضافت التقارير ان مقر اجتماعات مجلس خبراء القيادة، المخول دستوريا بتعيين المرشد، قد تعرض للاستهداف في طهران، فضلا عن موقع اخر مرتبط بامانته في قم، وسط تضارب الروايات حول توقيت الضربة وهوية الحاضرين.
وحتى لو لم تنه هذه الضربة عملية الخلافة، فانها تثير تساؤلات جوهرية داخل النظام، وتحديدا حول كيفية اختيار قائد اعلى جديد في ظل بيئة اصبحت فيها "غرفة القرار" نفسها هدفا، ومعها كل من يقترب منها، ومن هنا تبدا التصدعات، ليس فقط بين التيارات السياسية، بل ايضا بين المدارس الامنية داخل بنية السلطة حول الاولويات، من الانتقام الى تثبيت البيت الداخلي، او شراء الوقت، او فتح باب التفاوض المشروط.
واشنطن بين الخطاب والتطبيق
في واشنطن، تتعايش روايتان، الاولى خطابية تعبوية للرئيس دونالد ترمب، مفادها ان "الاوان قد فات على الحوار"، والثانية عملياتية تحاول ضبط الحرب ضمن اهداف قابلة للقياس، مثل الصواريخ والبحرية، ومنع مظلة ردع تقليدية تتيح لطهران اعادة بناء برنامجها النووي لاحقا.
وتبين التناقض بين الروايتين بوضوح في الايام الماضية، مع ورود تقارير عن تذبذب المبررات العلنية وتبدل ترتيب الاهداف.
وفي ظل هذه الفجوة، يعود التشبيه بفنزويلا ليظهر ويفشل في الوقت نفسه، فحتى داخل المقاربة الامريكية، هناك ادراك متزايد بان ايران ليست فنزويلا، فلا يوجد خليفة واضح يمكن الرهان عليه سريعا، ولا توجد بنية سلطة رئاسية مبسطة يمكن اعادة تدويرها بعد ازاحة راسها.
تقديرات الخبراء حول الخيارات الامريكية
وهنا تبرز اهمية ما قاله الباحث في الشان الايراني بمعهد واشنطن، فرزين نديمي، عن طبيعة الخيارات الامريكية، مبينا ان الحشد العسكري، بغض النظر عن اللغة السياسية، يشير عادة الى ضربات محدودة ومركزة او حملة "مخففة" الاهداف، لا الى غزو شامل، الا ان الحرب الحالية، ومع اتساع ساحاتها، تدفع هذا التقدير الى اختبار قاس، فكلما اتسع الرد الايراني اقليميا، قلت واقعية "الحملة المحدودة" زمنيا، حتى لو بقيت محدودة بغياب قوات برية.
وفي تقدير اخر لنديمي، نبه الى ان "اليوم التالي" في ايران اكثر تعقيدا من نموذج "غارة خاطفة" او "تبديل راس" ثم ترتيب تفاهمات، وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن انهيار قريب للنظام، بعد اربعة ايام فقط، اقرب الى امنية سياسية منه الى قراءة بنيوية.
من زاوية عسكرية سياسية، تبدو الخطة الامريكية اقرب الى حرب مراحل، اولا تحييد الدفاعات واثبات تفوق جوي ناري، ثم توسيع بنك الاهداف باتجاه البنية الصاروخية والبحرية ومراكز القيادة والسيطرة، وصولا الى مرحلة "الاصعب" التي لوح بها وزير الخارجية ماركو روبيو علنا بقوله ان "الضربات الاقسى لم تات بعد"، وترافقت هذه الاشارة مع الحديث عن ان الحملة قد تمتد اسابيع، لا اياما، حتى لو استمرت الادارة في نفي نية الانجرار الى حرب طويلة.
الضغط على النظام
لكن المراحل لا تقرا فقط في عدد الطلعات والاهداف، بل في كيفية تسويق الغاية السياسية، فبينما يلمح بعض مسؤولي الادارة الى ان مصير النظام "عرضي" قياسا بهدف منع ايران من امتلاك قنبلة نووية، تظهر في الخلفية مقاربة اخرى اكثر براغماتية، وهي ليست "تغيير النظام" بالضرورة، بل "تغيير سلوكه"، وهذا الفارق ليس لغويا، بل يحدد شكل النهاية الممكنة، فاذا كان الهدف "السلوك"، يمكن نظريا انهاء الحرب بتفاهم قاس مع ما تبقى من السلطة في طهران، اما اذا اصبح الهدف "النظام"، فستطول الحرب لان اسقاط انظمة من الجو، من دون قوات على الارض، ليس وصفة مضمونة، بل وصفة للفوضى احيانا.
وفي الميدان، الحرب تنتج ضغطا متصاعدا على النظام بطريقتين، الاولى ضرب قدرات الردع التقليدية (الصواريخ المسيرات البحرية)، والثانية ضرب "الايقاع" المؤسسي للنظام عبر استهداف حلقات القرار والرمزية، وصولا الى استهداف مؤسسة الخلافة نفسها.
توسيع دائرة النار
في المقابل، تتصرف طهران، او ما تبقى من مركزها، على قاعدة ان افضل دفاع هو توسيع دائرة النار، لا حصرها داخل ايران، والهجمات على دول خليجية ومرافق حساسة، وضربات تهديدات على الملاحة والطاقة، ليست فقط "تخبطا"، بل قد تكون جزءا من استراتيجية محسوبة لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وربط النهاية باثمان اقتصادية وامنية دولية.
هنا تتقاطع قراءة طهران مع ما قاله الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ديفيد داود، اذ راى ان التدخل، ولو المحدود، من "حزب الله" ومحور "المقاومة" يعكس تزايد تقدير داخل المحور بان النظام قد يواجه خطرا وجوديا اذا استمر تجاه الحرب وشدتها، ما يخلق دافعا لتوسيع المواجهة، وتقسيم القدرات الاسرائيلية والامريكية على جبهات عدة لابطاء اثر الحرب على بقاء النظام "قبل فوات الاوان".
وفي الوقت نفسه، شدد داود على ان هذا لا يعني ان سقوط النظام بات محسوما، بل ان المسار جعل احتمال الوصول الى تلك النقطة اكثر قابلية للتصور.
سيناريوهات محتملة
بعد اربعة ايام، يمكن استشفاف ثلاثة مسارات واقعية، وكلها قاسية.
المسار الاول هو "صفقة تحت النار"، حيث تتصاعد الضربات وتزداد الاخطار على الداخل الايراني، فتقبل دوائر في الحكم، او قيادة انتقالية، بتفاهم يحقق "تغيير السلوك"، قيودا صارمة على الصواريخ المسيرات، واليات رقابة وتفكيك مفاصل محددة، وضبط عمل الوكلاء اقليميا، مقابل وقف الحملة، وترك "شكل النظام" قائما ولو مشوها، وهذا المسار ينسجم مع لغة "السلوك" لا "النظام".
المسار الثاني هو تآكل من الداخل، لا صفقة سريعة، لكن الضربات المتدرجة على القيادة والمؤسسات الحساسة، خصوصا الخلافة، تفاقم انقسامات داخلية وتنتج مراكز قوة متنافسة (عسكرية امنية دينية)، وهنا لا يكون السقوط فوريا، بل يكون تفككا بطيئا، وغالبا مع فوضى امنية، واشارات الاستهداف المرتبط بمجلس الخبراء تعني ان هذا السيناريو لم يعد نظريا.
المسار الثالث هو حرب اقليمية ممتدة، حيث ينجح النظام في تجنيد ساحات متعددة فتستنزف المنطقة طاقة وملاحة واسعار، واحتكاكات على اراضي دول تستضيف قواعد امريكية، ما يرفع ضغطا دوليا لوقف اطلاق النار من دون حسم واضح، والتحركات التي اصابت منشآت مصالح في الخليج وارتدادها على اسواق الطاقة، هي مؤشرات مبكرة لهذا المسار.
ايا يكن المسار، فان "نهاية الحرب" لن تقرا فقط في عدد الايام والاسابيع، بل في تعريف واشنطن للنصر، فهل يكفي تعطيل قدرات محددة، ام تريد تغييرا سياسيا لا تملك له "خريطة تسليم"؟ حتى الان، الاجابة تتارجح، وهذا التارجح نفسه قد يكون اخطر عنصر في حرب بدات بصدمة كبرى ولم تقل كلمتها الاخيرة بعد.
