بدأ المجلس الشعبي الوطني في الجزائر مناقشة مشروع الحكومة لتعديل قانون الاحزاب، وسط تحفظ كبير من تشكيلات سياسية بسبب الهيمنة التي يمنحها النص للجهاز التنفيذي على الحياة الداخلية للاحزاب، كما احتج نواب على حصر مناقشة التعديلات في رؤساء الكتل البرلمانية، بدل ان تكون مفتوحة لجميع اعضاء غرفة التشريع.

واكد وزير الداخلية سعيد سعيود خلال عرض قدمه في بداية النقاش، بوصفه صاحب التعديلات، ان مشروع القانون العضوي الجديد المتعلق بالاحزاب السياسية يهدف الى اعادة تنظيم الممارسة السياسية على اسس دستورية ومؤسساتية اكبر فاعلية، بما يجعل من التشكيلات الحزبية دعامة اساسية لبناء مؤسسات ذات مصداقية تساهم في ترسيخ دولة القانون وتعزيز الاستقرار الوطني.

وبين الوزير ان المشروع يتضمن مستجدات جوهرية ترمي الى اخلقة الحياة السياسية، حيث اقر القانون عقوبات صارمة ضد ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي للمنتخبين تصل الى تجريد المنتخب من عهدته الانتخابية وشطبه نهائيا من قائمة الحزب، كما كرس المشروع مبدا التداول الديمقراطي عبر تحديد عهدة مسؤول الحزب بخمس سنوات حدا اقصى قابلة للتجديد مرة واحدة فقط ضمانا للتوازن والاستقرار داخل الهياكل الحزبية.

قيود جديدة على تمويل الاحزاب في الجزائر

وشدد الوزير على حظر التمويل الاجنبي بالكامل، والزامية التصريح بالهبات والتبرعات مع اخضاع حسابات الحزب للرقابة السنوية، وفي المقابل منح مشروع القانون ضمانات واسعة لممارسة نشاط الاحزاب وحق الطعن القضائي في قرارات الادارة مع الزامها في المقابل احترام مقومات الهوية الوطنية والسيادة والدفاع والامن الوطنيين ومنع اي نشاط يقوم على اساس ديني او جهوي او عرقي.

كما يفرض مشروع الحكومة على الاحزاب توسيع مشاركة الشباب والمراة داخل اجهزتها القيادية بنسب محددة، وينص في الوقت ذاته على امكانية توقيف نشاط الحزب او حله في حال عدم تقديم مترشحين لموعدين انتخابيين متتاليين.

واوضح ان النص يندرج في تقدير الحكومة ضمن مسار الاصلاحات الرامية الى ترقية الاداء الحزبي وتعزيز مساهمة الاحزاب في الشان العام، لا سيما في صياغة السياسات العمومية وتقديم المقترحات للحكومة.

انتقادات واسعة لقانون الاحزاب الجديد

ومن خلال 96 مادة قانونية يرسم المشروع منظومة تنظيمية دقيقة ومتشعبة تخضع بقاء الاحزاب واستمرارها في المشهد السياسي لمجموعة كبيرة من الشروط الادارية والمالية والانتخابية، بحيث تصبح ممارسة النشاط الحزبي مرتبطة بالامتثال المستمر لاجراءات وضوابط يعدها منتقدون غير مسبوقة من حيث صرامتها واتساع نطاقها.

ومن ابرز الاحزاب التي انتقدت هذا النص جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية، وهي احزاب معارضة لا تملك تمثيلا في البرلمان بحكم مقاطعتها الانتخابات التي جرت في 2021، واعلنت هذه الاحزاب الانخراط في الانتخابات البرلمانية والمحلية المقررة هذا العام في خطوة تعكس خشيتها من الوقوع تحت طائلة القانون الجديد، كما انتقده الحزب الاسلامي حركة مجتمع السلم وهو التشكيل المعارض في المجلس الوطني وصوته لا يكاد يسمع امام كتلة الموالاة الكبيرة.

وفي المقابل لم تبد الاحزاب المؤيدة سياسات الحكومة اعتراضا عليه، وبحكم هيمنتها على البرلمان يتوقع ان يمر النص دون مشكلات تذكر، وتتمثل هذه الاحزاب في جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة المستقبل وحركة البناء الوطني.

الرئاسة الجزائرية تبحث تعديلات دستورية مع الاحزاب

وفي سياق متصل استقبل مستشار رئيس الجمهورية المكلف الشؤون السياسية مصطفى صايج قادة وممثلي تشكيلات حزبية عدة في جولة مشاورات مكثفة بدات الثلاثاء الماضي، وخصصت الاجتماعات لبحث التعديلات التقنية المرتقبة على الدستور التي عرضتها عليهم الرئاسة في جولة مشاورات سابقة، اضافة الى القانون العضوي للانتخابات وفق ما نشرته صحيفة الخبر.

وتكتسي هذه اللقاءات اهمية بالغة لانها تسبق استدعاء الهيئة الناخبة المقرر في شهر ابريل المقبل تحضيرا للانتخابات التشريعية التي يفترض ان تجرى قبل نهاية يونيو المقبل، مما يجعل من التوافق السياسي بشان قواعد اللعبة ضرورة ملحة لاستقرار الاستحقاق المقبل.

وتركزت النقاشات وفق الصحيفة نفسها على مسودة التعديل الدستوري التي عرضها مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام على الاحزاب الشهر الماضي، والتي تقترح اعادة توزيع المهام بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ووزارة الداخلية.

وياتي هذا التوجه الحكومي استجابة للاختلالات الهيكلية والارتباك التنظيمي الذي طبع رئاسية 2024، خصوصا بشان اعلان نسب المشاركة وتجميع النتائج، وهو وضع اثار حينها انتقادات واسعة من مديريات حملات المترشحين الثلاثة.

وبدورها رفعت القوى السياسية باختلاف اوزانها الانتخابية مقترحات خطية تهدف الى اضفاء حصانة اكبر على العملية الانتخابية وتطوير اليات الرقابة، وتتمحور ابرز مطالبها حول اعتماد رقم وطني موحد في القوائم الانتخابية لمنع التلاعب او التكرار، ووضع تعريف قانوني دقيق للاوراق الملغاة لتفادي التاويلات الميدانية وضمان الطابع التوافقي للتعديلات عبر اشراك الاحزاب في صياغتها النهائية قبل المصادقة عليها.

وتبدي السلطة عبر هذه التحركات السياسية رغبة في تحويل المشاورات الى تقليد سياسي يضمن بناء جبهة داخلية متماسكة وتفادي تداخل الصلاحيات بين الهيئات الادارية والرقابية، بما يكفل انسيابية تدفق المعلومات الانتخابية وضمان مصداقية النتائج في المواعيد السياسية المقبلة.