تتزايد التحفظات الدولية على "مجلس السلام" الذي اسسه الرئيس الامريكي دونالد ترمب قبل ساعات من انعقاد اجتماعه الاول غدا الخميس في الولايات المتحدة. ويرى خبراء وباحثون ان المجلس يواجه عقبات جوهرية تتمثل في عدم التزام اسرائيل بوقف اطلاق النار في غزة. وارتباط المبادرة بشخصية ترمب بدلا من جعلها خاضعة لعمل مؤسسي. فضلا عن غياب خارطة طريق واضحة لادارة القطاع واعادة اعماره.
ويرى المحللون ان مجلس السلام بالياته الحالية يفتقر الى ادوات الزام حقيقية تجبر اسرائيل على الامتثال لبنود الاتفاق. ومما يجعله مجرد اطار شكلي من دون فاعلية تنفيذية.
ويعد اجتماع الغد اول جلسة رسمية للمجلس منذ اطلاقه في 22 يناير/كانون الثاني الماضي. ومن المنتظر ان يتضمن موتتمرا للمانحين مخصصا لاعادة اعمار قطاع غزة. وفي اطار دفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف اطلاق النار. ويضم المجلس حاليا 27 عضوا برئاسة ترمب. وحصل على تفويض من مجلس الامن للاشراف على تنفيذ اتفاق وقف اطلاق النار. والعمل على ملفات الحكم واعادة الاعمار.
هيمنة امريكية تثير المخاوف
غير ان الاعلان عن مجلس السلام قوبل بتشكيك دولي واسع. وامتنعت دول غربية كبرى عن الانضمام اليه بسبب منحه صلاحيات واسعة. ومنح الرئيس الامريكي حق النقض الحصري على قراراته. ومما دفع بعض الدول للاعتقاد بانه بديل غير رسمي لمجلس الامن الدولي او الامم المتحدة.
وايضا فان غياب العديد من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين والدول الكبرى عن المشهد يعكس ترددهم في الانضمام الى كيان يسعى الان لتوسيع نطاقه الى ما يتجاوز الغرض المقصود من تعزيز وقف اطلاق النار في غزة او اعادة الاعمار.
وبينما وضعت ادارة ترامب خططا طموحة لغزة. فان القضايا الاساسية المتعلقة بنظام الحكم او الامن او الحمل المؤسسي لم تحدد بعد. ولا يزال هناك خطر حقيقي بان يتوقف وقف اطلاق النار ويبقى سكان غزة عالقين في الوضع الراهن. وهي حقيقة مريحة لاسرائيل لكنها بالغة السوء بالنسبة للفلسطينيين الذين اجبروا على العيش في ظل انهيار كامل للقطاع. حسب ما تشير اليه التحليلات.
وتكمن احدى ابرز نقاط الخلاف حول مجلس السلام في الصلاحيات الواسعة التي يحظى بها. والتي تمنح ترمب حق النقض الحصري على قرارات المجلس. ومما اثار مخاوف دولية من ان يتحول هذا الكيان الوليد الى بديل غير رسمي للامم المتحدة ومجلس الامن.
وهذا التخوف ليس مجرد هاجس نظري. بل يستند الى قراءة دقيقة للميثاق التاسيسي الذي يمنح المجلس صلاحيات تنافس تلك الموسسة للامم المتحدة. ويتحدث صراحة عن فشل الاليات الدولية القائمة في كبح الصراعات وتوفير الانسجام العالمي. حسب ما ذهب اليه المحللون.
وقال مدير الموسسة الوطنية الفلسطينية للاعلام ابراهيم المدهون ان "هناك تخوفا دوليا حقيقيا من ان يتحول مجلس السلام الى بديل عن الامم المتحدة ومجلس الامن. لا سيما ان الهيمنة فيه تبدو مرتبطة بشخص الرئيس الاميركي من جهة. وليس بموقع رئيس الولايات المتحدة وموسساتها من جهة اخرى".
المدهون ينتقد هيمنة ترمب
واضاف المدهون ان "هذا يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الامم المتحدة. والتي ترتكز اساسا على مجلس الامن وتوازن القوى بين 5 دول كبرى. وليس على انفراد دولة واحدة. فضلا عن انفراد شخص واحد بالقرار".
وتتجاوز هذه المخاوف مسالة الصلاحيات الى جوهر الفلسفة التي يقوم عليها النظام الدولي. فالكثير من الدول الحليفة لواشنطن تتحفظ على محاولة اعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية وفق رؤية احادية. بدلا من التوافق الدولي الشامل الذي بني عليه نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن واشنطن. يذهب استاذ العلوم السياسية اسامة ابو ارشيد الى الروية السابقة نفسها. فترامب في تصوره لمجلس السلام يراه موسسة او اطارا ندا للامم المتحدة. موضحا ان "الصلاحيات التي اعطيت لمجلس السلام تعد واسعة جدا تنافس تلك الممنوحة والمنظمة لعمل الامم المتحدة".
ولا يقتصر القلق على الجانب الاجرائي. بل يمتد الى المضمون السياسي للمبادرة. فهناك قراءة اوروبية يدعمها الروس والصينيون ترى ان خطة السلام التي عرضها ترمب تمثل في جوهرها نقدا للشرعية الدولية السابقة. وتجاوزا لها. بل وتقويضا عمليا لمشروع حل الدولتين بشكل كامل.
ويعلق المدهون على ذلك بان "هذا الطرح لا يحظى بقبول واسع في المجتمع الدولي. وخصوصا لدى اوروبا والصين وروسيا. لان هذه الاطراف ما زالت ترى ان اي تسوية يجب ان تستند الى المرجعيات الدولية القائمة. والى قرارات الامم المتحدة".
ويذهب ابعد من ذلك الطبيب النرويجي والناشط العالمي في ميدان التضامن مادس غيلبرت "مجلس السلام" بانه "محاولة استعمارية مباشرة للسيطرة على غزة وفلسطين". وياكد انه "طريقة متخفية بشكل سيء لخداع العالم ليعتقد ان هناك نية للسلام. بينما هي نية للغزو والحكم وسرقة فلسطين من الفلسطينيين".
مشروع مرتبط بترمب يثير الشكوك
ويلفت غيلبرت الى عامل يصفه بانه "لا ينتبه احد اليه في النقاش". وهو الموارد الطبيعية الغنية في الجرف القاري قبالة ساحل غزة. والتي يمكن ان تجعل فلسطين دولة منتجة للنفط او الغاز مثل الدول الخليجية.
وبينما يمنح ارتباط المجلس "بشخصية ترمب" زخما انيا للمبادرة. فان هذا الارتباط نفسه يشكل نقطة ضعف جوهرية تثير الشكوك حول قدرة المشروع على الاستمرار والدوام. فالمجلس كما يبدو حتى الان يستمد قوته من النفوذ الشخصي للرئيس الامريكي وليس من بنية موسسية راسخة يمكن ان تستمر بعد انتهاء ولايته الرئاسية. حسب تصريحات المتحدثين.
ويرى مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الازمات الدولية مايكل حنا ان "ارتباط ترمب بانجازات المجلس كجزء من ارثه هو الذي يمنح المشروع بعض فرص النجاح. لان ترمب لن يرغب في رؤية ابرز انجازاته في صنع السلام تنهار". لكنه يحذر في الوقت نفسه من انه "اذا فقد ترامب الاهتمام بالمشروع او لم يكن مستعدا للعمل كوسيط محايد. فان فرص النجاح في المستقبل تقترب من الصفر".
وهذا ما ذهب اليه ايضا مدير الموسسة الوطنية الفلسطينية للاعلام. اذ يقول ان "ارتباط الفكرة كلها بشخصية ترامب يعطيها نجاحا انيا مرحليا. لكنه في الوقت ذاته يثير الشكوك حول قدرتها على الاستمرار والدوام. لانها حتى اللحظة مرتبطة بشخص لا بموسسة".
وهذا الارتباط الشخصي لا يقتصر على مسالة الاستمرارية. بل يمتد الى طبيعة الصلاحيات الممنوحة لترامب نفسه. فقد اعطى الرئيس الامريكي لنفسه وفق الميثاق التاسيسي صلاحيات وصفها ابو ارشيد بانها "دكتاتورية لا يستطيع ان يتحصل عليها في امريكا نفسها". وتشمل هذه الصلاحيات حق الدعوة وحق الالغاء والطرد. وحق التحكم والرئاسة مدى الحياة حتى بعد انتهاء رئاسته للولايات المتحدة. ويشير استاذ العلوم السياسية الى ان "كل هذه الامور اثارت حفيظة الكثير من الدول الحليفة لواشنطن".
غياب القوى الكبرى يضعف المجلس
ولا يقتصر التحدي الذي يواجه مجلس السلام على البنية الداخلية او الارتباط الشخصي بترمب. بل يمتد الى غياب ملحوظ لدول كبرى وحلفاء تقليديين للولايات المتحدة عن المشهد. فقد اختارت دول اوروبية رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا والمانيا عدم الانضمام الى المجلس. وفي خطوة تعكس رفضا واضحا للنهج الامريكي في التعامل مع القضايا الدولية.
ويشير ابو ارشيد الى ان "الكثير من الدول الحليفة لواشنطن لم تدخل هذا المجلس". "فالكثير من هذه الدول تحدثت بوضوح عن ان هذا المجلس بصيغته وميثاقه التاسيسي وبالتصور الذي يطرحه ترمب. عمليا قد يتجاوز حتى مسالة المنافس والند ليصبح بديلا للامم المتحدة". ويضيف ان المشكلة تتجاوز ذلك الى كون المجلس "بديلا مختزلا في شخصية ترمب" وليس بديلا دوليا حقيقيا.
وهذا الغياب الاوروبي لا يعكس فقط تحفظات على الصلاحيات الواسعة للمجلس. بل يعبر عن قلق اعمق من محاولة اعادة تشكيل النظام الدولي بشكل احادي. فكما يوضح استاذ العلوم السياسية فان "امريكا نفسها تحولت من دولة تقوم على الحفاظ على قواعد القانون الدولي والنظام الدولي الى دولة تفككه تحت ادارة ترامب".
ويلفت مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الازمات الى ان "غياب العديد من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين والدول الكبرى عن المشهد يلفت النظر ويعكس ترددهم في الانضمام الى كيان يسعى الان لتوسيع نطاقه الى ما يتجاوز الغرض المقصود من تعزيز وقف اطلاق النار في غزة". ويحذر من ان هذا التردد "سيضعف الدبلوماسية الدولية في فترة حرجة".
اما الدول التي انضمت الى المجلس. فقد فعلت ذلك حسب حنا "على امل لفت انتباه الولايات المتحدة وتشجيع ترمب نفسه على استخدام النفوذ الذي يتمتع به مع اسرائيل". وليس بالضرورة ايمانا بجدوى المبادرة او قبولا بفلسفتها. وهذا يعني ان المجلس يفتقر الى قاعدة دعم دولية صلبة. ويعتمد بشكل شبه كلي على الارادة الامريكية والنفوذ الشخصي لرئيسها الحالي.
ومن جانبه. يرى رئيس حزب "شين فين" في ايرلندا الشمالية ديكلان كيرني ان "هناك مشاكل كبيرة مع هذا المجلس ابرزها الافتقار الكبير للوضوح بشان نواياه وخططه. اذ يقال انه انشيء لمعالجة الازمة في غزة. ولكن يبدو ان نطاق اختصاصه يمتد الان الى ما هو ابعد من ذلك".
واقع غزة يكشف التحديات
ويضيف كيرني انه منذ البداية. لم تتم استشارة الفلسطينيين بشان الدور المحتمل لهذا المجلس. وتم استبعادهم من اي مشاركة. وعلى النقيض من ذلك. يتم تضمين اسرائيل الدولة المسوولة عن الاحتلال والضم والتطهير العرقي في غزة والضفة الغربية. ويخلص الى انه "لا يمكن تحديد مستقبل غزة من دون مشاركة الفلسطينيين. والا ستستمر دورة الاستعمار في التكرار".
ويؤكد رئيس حزب "شين فين" ان "المشاكل بدات مع هذه المبادرة منذ التصور الاولي لها. ومن الواضح انها ليست مخصصة لمعالجة الاسباب الجذرية للابادة الجماعية في غزة والوضع الكارثي القائم هناك. مبينا ان كل هذا لن يتحقق ما لم يتم التعامل مع القمع الاستعماري التاريخي واليومي للشعب الفلسطيني. والا سيكون هذا المجلس امتدادا لانكار حقوق الفلسطينيين بموجب القانون الدولي. سواء من الناحية الهيكلية او السياسية.
وبعيدا عن الجدل الدولي حول شرعية المجلس وصلاحياته. تواجه الخطة اختبارا حقيقيا على الارض في غزة. حيث تكشف الوقائع عن فجوة هائلة بين الطموح المعلن والواقع الميداني. فرغم ان المجلس يفترض ان يشرف على تنفيذ وقف اطلاق النار. فان اسرائيل واصلت انتهاك بنود الاتفاق من دون ان تواجه اي عقوبات حقيقية.
ويشير المدهون الى ان "اسرائيل لم تنفذ في المرحلة الاولى ما مقداره 80% مما نص عليه الاتفاق. ولم تلتزم بوقف اطلاق النار كما هو منصوص عليه. ولم تفتح المعابر. ولم تنسحب الى الخرائط الصحيحة. بل تقدمت على الخط الاصفر. ولم تدخل المساعدات الا بمقدار ضئيل جدا. رغم التزام حركة المقاومة الاسلامية (حماس) بكل ما عليها".
وتتجلى هذه الفجوة ايضا في مسالة الادارة المدنية لغزة. فقد تم تشكيل لجنة تكنوقراط لادارة القطاع. لكنها لم يسمح لها بالدخول الى غزة لمباشرة اعمالها. والاحتلال الاسرائيلي ما زال يمنعها. وهذا يعني ان المجلس عاجز حتى الان عن فرض ارادته على الارض. رغم كل الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها على الورق.
ويصف المدهون الاجتماع المرتقب بانه "ربما يكون شكليا في هذه المرحلة اكثر منه تنفيذيا. وربما الرئيس ترمب يريد الصورة اكثر مما يريد المضمون". ويضيف انه "حتى اللحظة هناك كلام كثير عن مجلس السلام. ولكن الفعل قليل. ولا توجد معالجة جوهرية ولا خطوات عملية نحو انسحاب الاحتلال الاسرائيلي".
اما حنا فيوكد ان "اجتماع مجلس السلام غدا ياتي وسط تقدم ضئيل في تعزيز وقف اطلاق النار". ويوضح ان "القضايا الاساسية المتعلقة بالحكم والامن لم تحدد بعد. ولم تقدم الولايات المتحدة افكارا جوهرية حول كيفية سد الفجوة بين الاسرائيليين والفلسطينيين التي تستمر في تقويض التقدم". ويحذر من ان "هناك خطرا حقيقيا بان يتوقف وقف اطلاق النار ويبقى سكان غزة عالقين في هذا الوضع الراهن. وهو واقع مريح لاسرائيل لكنه لا يطاق بالنسبة للفلسطينيين".
ويخلص المتحدثون الى ان اي اطار سلام لا يقوم على توازن دولي حقيقي. ولا يملك اليات تنفيذ وضغط. سيبقى رهينة ارادة الاقوى على الارض. لا رهينة النصوص او العناوين السياسية. كما ان نجاح اي مبادرة يعتمد بشكل كبير على مشاركة القوى الفاعلة ميدانيا وعالميا وليس على شخصية نافذة واهتمامها ومدى استعدادها لممارسة ضغوط حقيقية على الاحتلال الاسرائيلي لتنفيذ اي مبادرة او اتفاق.
