كشف رئيس الوزراء الاردني الاسبق احمد عبيدات تفاصيل مثيرة حول محاولة اغتيال استهدفت الملك حسين، مبينا ان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي كان وراءها. واوضح عبيدات في شهادته التي نشرت حديثا، ان القذافي ارسل صاروخا عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد "المجال الخارجي"، الذراع العملياتي السري لـ "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، لتنفيذ العملية.
واضاف عبيدات، الذي شغل ايضا مناصب رئيس المخابرات ووزير الداخلية والدفاع، تفاصيل حول المواجهة بين القوات الاسرائيلية والجيش الاردني والفدائيين الفلسطينيين في معركة الكرامة الحدودية عام 1968. واكد ان الجيش الاردني هو الذي حسم المعركة، لكنه خرج بهزيمة معنوية امام ادعاءات الفدائيين.
وبين عبيدات ان هذه الشهادة سجلت قبل "طوفان الاقصى"، الذي حالت تداعياته دون نشرها في وقت سابق.
معركة الكرامة واستعادة الروح المعنوية للجيش
وقال عبيدات ان معركة الكرامة كانت نقطة مفصلية في غاية الاهمية، واصفا اهميتها للجيش بانها تكمن في استعادة الروح المعنوية القتالية بعد هزيمة عام 1967. واضاف ان الجيش شعر بمسؤوليته الاخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة، وجاءت معركة الكرامة كفرصة لاستعادة بعض الاعتبار.
واوضح ان الجيش الاردني هو الذي حسم المعركة، وافشل بناء العدو جسورا في مناطق عدة للدخول، ودمرت الياتهم في الارض الاردنية. وبين انه ولاول مرة بتاريخ اسرائيل يطلبون وقف اطلاق النار، وان الملك الحسين هو من رفض ذلك.
واشار الى ان اسرائيل لم تعترف بخمس قتلاها، وانه عند السماح باجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية تنزف منها دماء الجرحى والقتلى.
تداعيات الكفاح المسلح واحتكار النصر
وبين عبيدات ان ضباطا من كتيبة المدفعية عرضوا انفسهم للموت، اذ كانوا يتقدمون باقرب نقطة من العدو ويعطون احداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم ارساله. واوضح ان الجندي الاردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الاسرائيلي ليتم قصفه، دفاعا عن ارضه واستردادا لكرامته بعد هزيمة النكسة.
واستطرد قائلا ان اعلان "الكفاح المسلح" الغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم ابطالا حققوا النصر على اسرائيل، وكانت لذلك تداعيات كثيرة لانهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الاردني تماما.
واشار الى ان "الكفاح المسلح" جمع مئات الملايين من التبرعات، وكانت الاموال اكثر من حصة تنظيم "فتح"، اذ سيطرت ماكينة الفدائيين على الاعلام العربي، وخرج الاردن من المعركة بهزيمة معنوية امام ادعاءات الفدائيين.
احداث ايلول وفوضى السلاح
واكد عبيدات ان جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.
وقال ان الجيش عندما دخل الى عمان في احداث ايلول كان يريد ان يخلص الشعب الاردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الامني في الشوارع.
وبين انه عندما بدا الجيش في طرد الفدائيين من عمان، اخذ كل شيء في طريقه، حتى منزله الذي استاجره حديثا بعد حادثة اختطافه، وكان قريبا من مقر قيادة الجيش، دخله الجيش الاردني ليفتش عن فدائيين.
تدخل الجيش السوري وموقف العراقيين
واشار الى انه اضطر الى ارسال اسرته الى منزل والديه في محافظة اربد شمال المملكة.
واوضح انه عندما دخل الجيش السوري الى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون اعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية، مبينا ان قرار تحرك الجيش السوري كان قرارا سياسيا من حزب "البعث"، وان حافظ الاسد، الذي كان وزيرا للدفاع، استجاب للقرار مضطرا، وبالاخير تراجعت الدبابات السورية.
واكد ان العراقيين كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، موضحا ان الدولة والقوات العراقية الموجودة لم يكن في خاطرها او نواياها اي مشاركة في عملية تستهدف انهاء الحكم الملكي الهاشمي في الاردن، وذلك لان العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية واعبائها.
ظلم الجيش الاردني وشرعية عرفات
وبين انه سمع من العراقيين ان الدولة والقوات العراقية الموجودة لم يكن في خاطرها او نواياها اي مشاركة في عملية تستهدف انهاء الحكم الملكي الهاشمي في الاردن. وذلك قطعاً بسبب ان العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية واعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية او من حيث التعامل مع الفدائيين.
واضاف انه فهم من رواية اخرى، لكن لا يستطيع تبنيها، ان قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيرا من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك اوهمتهم ان هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها او ستهاجمهم، فاخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز اكثر من وضع الهجوم.
واكد ان وفدا من "فتح" زار العراق معاتبا، فقابلهم احمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: "احنا يا اخوان دولة لها روح واحدة. اذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي. انتم مثل (البزون) على راي العراقيين اي القطط. لكم سبع ارواح اذا راحت روح تيجي غيرها. فتستطيعون عمل ما بدا لكم. اما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع ارواح. الغلطة تاخذنا الى الابد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح. ومع السلامة".
تفاصيل محاولة اغتيال الملك حسين
واكد عبيدات ان عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الاردني الذي قاتل ببسالة وصمود، مشددا على ان الجيش الاردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم اسرائيل.
واوضح ان احدى اليات الجيش الاسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، والتي تركها الاسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الاسرائيلية التي ارادت ان يتحرك الجيش الاسرائيلي من الكرامة ثم غور الاردن ارتفاعا نحو جبال السلط، وصولا الى منطقة السرو القريبة من عمان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الاردنية.
واشار الى ان هذه كانت خطتهم بعد ان ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة، لان المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة، مبينا ان بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى، وان هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قبل الفدائيين والمقاومة.
مسؤولية احداث ايلول ودور وديع حداد
واكد عبيدات ان الذي اعلن نفسه سلطة فوق السلطة، بمعنى ان لا سلطة فوق سلطة المقاومة، والذي اراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق، والذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون الى اسرهم خلال اجازاتهم، كل هؤلاء يتحملون المسؤولية.
وبين ان الذين حاولوا التصرف كانهم امن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي اصبحت بديلا عن مؤسسات الدولة، والذين هددوا من يرتكب مخالفات في عمان بانزال المخالف لمنطقة الغور، هم من يتحملون المسؤولية.
واوضح ان المخابرات العامة لم يكن لديها قلق من سقوط الدولة في احداث 1970، وكانوا يعتقدون ان هذه ازمة ايام وستنتهي وسيفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.
تفاصيل محاولة اغتيال الملك حسين
وكشف عبيدات ان وديع حداد كان وراء ارسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال اعوام 1975 و1976 و1977، مبينا ان حداد ارسل صاروخا للاردن مع مجموعة يقودها مواطن اردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وكان منتميا الى "الجبهة الشعبية"، وكانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين، وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.
واكد ان هذه المعلومات كانت لدى المخابرات وقتها بنسبة 100%، وان القذافي شخصيا زودهم بهذا الصاروخ وتم نقله الى الاردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الاولى، وقد القي القبض على المجموعة لاحقا.
واوضح ان طائرة الحسين طارت في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري، وتحسبا لاي مفاجاة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محددا لمسارها، مع استخدام اجهزة للتشويش على اي صاروخ يستهدف الطائرة التي على متنها الراحل الحسين.
مواجهة القذافي وانكار علمه بالمحاولة
واشار الى انه في تلك الايام كان مضر بدران رئيسا للديوان، وطلب جميع الوثائق المتعلقة بالمحاولة وصورة الصاروخ الذي تم ضبطه، وغادر الى ليبيا لمقابلة القذافي، وعند مواجهته بكل ما بحوزة بدران من معلومات، انكر القذافي علمه بالامر، وقال: "انا ما معي خبر".
واكد ان جماعة وديع حداد يحركها القذافي، لانه من المهم عند القذافي وجود اشخاص يقومون بمثل هذه العمليات.
وبين انه عندما تكون المخابرات مسيطرة على مثل هذه العملية من الالف الى الياء، فهذا يعني السيطرة الكاملة.
متابعة كارلوس وخطف الطائرات
واوضح ان كارلوس كان تحت متابعة المخابرات الاردنية، لانه كان يبحث عن اذرع في المنطقة ولم يكن يعمل منفردا، وكانت المخابرات الاردنية تتابعه حتى في السودان، مع تحديث للمعلومات اولا باول.
واكد ان حادثة خطف الطائرات كانت بمثابة "القشة التي قسمت ظهر البعير"، وكانت وراء دخول الجيش، وما تبع ذلك من تداعيات. واشار الى انه بعدما خطفوا الطائرات، عقد الخاطفون مؤتمرا صحافيا في فندق الاردن، وتحدث جورج حبش في المؤتمر الصحافي في عمان ليعلن عن العملية.
واشار الى انه لم يكن لدى دائرة المخابرات اي معلومات عن خطة خطف الطائرات، وانه امام كل تلك الفوضى في تلك الايام كانت هناك حالة اشبه بالفلتان الامني.
قصة ابو داود وتخطيطه لخطف وزراء
واوضح انه في تلك الفترة شهدت الحركات الارهابية ازدهارا في العالم، وانه زار روما تمهيدا لزيارة الملك الحسين للفاتيكان، والتقى بشخص يماثل مدير المباحث العامة وهو جنرال، والذي كان متشائما جدا من الوضع الامني.
واكد ان الجنرال ابلغه بانه لا يملك اي ضمانة حيال الوضع الامني، ولا سيطرة لهم على الامن باي صورة من الصور، فنصح بعدم زيارة الملك للفاتيكان.
واوضح ان المخابرات الاردنية اخترقت مجموعة وديع حداد ومنظمة "ايلول الاسود"، وان ابو اياد كان مسؤول "ايلول الاسود" ومعه ابو يوسف النجار.
تفاصيل جديدة حول مخطط ابو داود
واشار الى ان ابو داود من الذين عملوا نقدا ذاتيا لحركة "فتح" هو ومجموعة معه، وكان موضوعيا الى حد كبير جدا في عملية النقد الذاتي.
واوضح ان معلومات توفرت في منتصف عام 1972 بان ابو داود ومعه مجموعة يريد دخول الاردن من بغداد، وان مجموعة من قيادة "فتح" خططت لهذه العملية وتم اختيار ابو داود لقيادتها.
واكد ان المخابرات اخترقت "فتح"، وان العملية لا علاقة لها بـ"ايلول الاسود"، وهي عملية خاصة اسندت الى احد الضباط في العمليات ولمساعد نائب مدير المخابرات للعمليات.
اعترافات ابو داود وعفوه من الملك حسين
وبين انه تمت متابعة العملية قبل دخولها للاردن من بغداد، ودخلت المجموعة تركب سيارات مرسيدس، وكانوا يلبسون اللباس العربي التقليدي، وكان مع ابو داود امراة ادعى انها زوجته وهي ليست زوجته.
واوضح انهم كانوا يخبئون اسلحة بالسيارات الثلاث بطريقة فنية، وتم ترتيب القاء القبض عليهم، وبتفتيش المركبات تم جمع الاسلحة كاملة، فسلم ابو داود بالامر.
واكد انه عندما تكتمت المخابرات على العملية ولم تعلن عن القاء القبض على عناصرها، ولم تكن قيادة "فتح" تعلم ان العملية انكشفت وقد تم توقيف جميع عناصرها، حاولت "فتح" عبر اذاعتها التمويه على مكان وجود ابو داود وزعموا بان ابو داود بطل عمليات طبرية والقدس.
التحقيق مع ابو داود ولقائه بالملك حسين
وبين ان ابو داود كان رجلا واقعيا ولم يحتج الى وقت طويل حتى قدم اعترافاته، وانه لم يمس احد شعرة منه، وادلى باعترافات كاملة بان العملية كانت تهدف الى احتجاز مجلس الوزراء الاردني اثناء انعقاده ووضعهم رهائن؛ من اجل التفاوض على اطلاق متهمين خطرين كانوا معتقلين بالاردن وهم من منظمة "فتح".
واوضح ان محمد رسول الكيلاني طلب من الملك الحسين اعادة فتح ملف التحقيق مع ابو داود، لان لدى الرجل معلومات مهمة، والملك الحسين اقتنع وطلب من مدير المخابرات نذير رشيد ان يسمح لمحمد رسول الكيلاني بالاطلاع على ملف الاعترافات.
واشار الى ان والدي ابو داود زارا محمد رسول، طالبين منه ان يلتقيا بالملك الحسين، ليطلبا منه العفو عن ولدهما، وفعلا بعدها جاء الراحل الحسين وقابل ابو داود وسمع اعترافه، وبعدها احيل نذير رشيد الى التقاعد واعيد محمد رسول الكيلاني للخدمة مرة ثانية.
تولي عبيدات رئاسة المخابرات
واكد ان الملك الحسين قابل والدي ابو داود في دائرة المخابرات العامة، وبعدها التقى ابو داود بمفرده، واستجاب لاسترحام الاب والام.
واوضح ان ابو داود تاثر من موقف الراحل الحسين ومعاملته الطيبة لوالديه وعفوه عنه، ولم يعد باي تهديد للاردن او القيام باي عمل مستقبلي ضد الاردن.
وبين انه نتيجة للتطورات التي شهدها الجهاز، حدث ارتباك في العمل وصرنا قلقين على مصير العمليات الاستخبارية نفسها، وفكر مع المرحوم طارق علاء الدين بالاستقالة، وعندما وصل هذا الكلام للراحل الحسين زار دائرة المخابرات بشكل مفاجئ.
علاقة الملك الحسين بالمخابرات
واكد ان الملك الحسين كان حريصا على زيارة الجهاز واللقاء مع كبار ضباطه، وكانت علاقته بالدائرة علاقة مباشرة، ويجتمع بهم باستمرار ويستمع ليس لمعلوماتهم، بل لارائهم الشخصية كذلك.
واوضح انه كان يقدم تقارير لرئيس الحكومة ويقابل الملك ايضا، وقد يكون من الواجب التوسع في شرح بعض القضايا شفاهة امام الملك؛ حتى لا يتم تداول تلك المعلومات بين الموظفين.
وبين انه عندما يطلب منه تقديم عرض امني امام الملك، كان الراحل الحسين يستدعي ولي عهده الامير الحسن، كما يحضر مستشارو الملك وقيادات الجيش والامن العام ورئيس الديوان ورئيس الحكومة، ويكون العرض للتقرير الامني فيه شرح للاوضاع الامنية واي تحديات خارجية او داخلية.
