يشهد المشهد الدولي تصاعدا متدرجا في حدة الرسائل السياسية والعسكرية المتبادلة بين القوى الكبرى، مع تركيز خاص على ملف ايران النووي ومسار الحرب في اوكرانيا ودور الولايات المتحدة في اعادة تشكيل التوازنات العالمية. وفي هذا السياق، تبرز تصريحات رسمية وتحركات عسكرية ميدانية تعكس مرحلة اعادة تموضع استراتيجي واسع، تتداخل فيه الدبلوماسية مع ادوات الردع العسكري والضغوط الاقتصادية.
رؤية واشنطن للمرحلة الدولية الجديدة
قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ان الرئيس دونالد ترامب يفضل التوصل الى اتفاق مع ايران، لكنه اقر بان ذلك يمثل مهمة شديدة الصعوبة في ظل تعقيدات الملف النووي وتباين المواقف الدولية حول اليات الضبط والتفتيش.
واوضح روبيو خلال مقابلة مع بلومبرج نيوز في ميونيخ ان الولايات المتحدة ماضية في التزامها بانهاء الحرب في اوكرانيا، مشيرا الى ان القوات الروسية تتكبد خسائر اسبوعية كبيرة تتراوح بين سبعة الاف وثمانية الاف جندي، في تقدير يعكس شدة الاستنزاف الميداني المستمر.
واكد ان واشنطن تسعى في عهد ترامب الى قيادة مرحلة من التجديد والترميم العالميين، معتبرا ان بلاده مدفوعة برؤية لمستقبل سيادي وحيوي يعيد احياء عناصر القوة الحضارية والسياسية التي ميزت دورها التاريخي.
واضاف ان الولايات المتحدة مستعدة للتحرك منفردة عند الضرورة، لكنها تفضل العمل بالشراكة مع الحلفاء الاوروبيين، في رسالة تحمل دعوة واضحة لاعادة تنشيط التحالفات الغربية وتعزيز التماسك عبر الاطلسي.
قراءة اميركية لدور المنظمات الدولية والتحالفات
اشار روبيو الى ان الامم المتحدة لا تؤدي دورا حاسما في تسوية النزاعات المعاصرة، في تقييم يعكس توجها اميركيا متزايدا نحو الاعتماد على التحالفات السياسية والعسكرية المباشرة بدلا من الاطر متعددة الاطراف التقليدية.
واكد ان واشنطن لا تسعى الى تقسيم حلف شمال الاطلسي بل الى تحفيزه وتعزيز فاعليته، مشددا على ان الولايات المتحدة واوروبا يجمعهما قدر استراتيجي مشترك يفرض استمرار التنسيق الامني والسياسي.
واشار الى ان مستقبل الحرب في اوكرانيا لا يزال غير محسوم، موضحا ان الموقف الروسي بشان انهاء الحرب لم يتضح بعد بشكل كاف، ما يترك الباب مفتوحا امام سيناريوهات متعددة في المرحلة المقبلة.
تصاعد الضغط العسكري في الشرق الاوسط
بالتوازي مع الرسائل السياسية، كشفت نيويورك تايمز عن تحرك عسكري اميركي لافت يتمثل في توجه حاملة الطائرات يو اس اس جيرالد فورد ومجموعتها الضاربة من منطقة البحر الكاريبي باتجاه الشرق الاوسط، لتعزيز الوجود العسكري الاميركي في المنطقة.
وبحسب التقرير، فان الحاملة ستنضم الى حاملة الطائرات يو اس اس ابراهام لينكولن ضمن سياق حملة ضغط استراتيجي على ايران، في خطوة تعكس انتقال السياسة الاميركية من مستوى الرسائل الدبلوماسية الى مرحلة اظهار القوة العسكرية.
واشارت المعلومات الى ان افراد البحرية الاميركية تلقوا اوامر التحرك ليلا، مع توقع استمرار المهمة حتى اواخر نيسان او مطلع ايار، ما يشير الى ان الانتشار ليس رمزيا بل يندرج ضمن خطة عملياتية ممتدة زمنيا.
وكان ترامب قد اعلن عزمه ارسال حاملة طائرات اضافية الى المنطقة، في اشارة تعزز فرضية بناء مظلة ردع عسكري متعددة المستويات في الشرق الاوسط.
المسار النووي الايراني وتعقيدات التفتيش الدولي
في سياق متصل، قال رافايل غروسي المدير العام ل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان التوصل الى اتفاق مع ايران بشان عمليات التفتيش النووي ممكن لكنه بالغ الصعوبة، في توصيف يعكس حجم التحديات التقنية والسياسية المحيطة بالملف.
واوضح ان فرق الوكالة عادت الى ايران بعد الحرب التي جرت في حزيران، وتمكنت من تفتيش معظم المواقع النووية باستثناء المواقع التي تعرضت للقصف، مشيرا الى ان الحوار مع طهران استؤنف رغم تعقيداته.
واكد ان التحدي الاساسي يتمثل في تحديد المراحل المستقبلية للرقابة والتحقق، مبينا ان الوكالة تدرك بوضوح ما يجب التحقق منه واليات التنفيذ، لكن التنفيذ العملي يبقى رهنا بالتفاهمات السياسية.
وكانت طهران قد رفضت في تشرين الثاني السماح بتفتيش المواقع المتضررة من القصف ضمن الاطر السابقة، مطالبة بادراجها في اطار جديد، ما يعكس تمسكا ايرانيا باعادة صياغة قواعد الرقابة الدولية.
مسار الحوار الاميركي الايراني
تاتي هذه التطورات في وقت اعلنت فيه واشنطن وطهران نيتهما مواصلة الحوار بعد جولة مباحثات اولى استضافتها سلطنة عمان في السادس من شباط، في مؤشر على استمرار القناة الدبلوماسية رغم التصعيد السياسي والعسكري.
وفي موازاة ذلك، حذر ترامب من تداعيات وصفها بالمؤلمة جدا اذا لم توافق ايران على اتفاق بشان برنامجها النووي، في رسالة تجمع بين التحذير الدبلوماسي والضغط العسكري.
معادلة الردع والتفاوض في الاستراتيجية الاميركية
تعكس التحركات الاميركية الراهنة مزيجا واضحا من ادوات القوة الصلبة والناعمة، حيث يجري توظيف الانتشار العسكري لتعزيز الموقف التفاوضي وليس بديلا عنه، في نموذج استراتيجي قائم على فرض توازن ردع يسبق اي تسوية سياسية.
ويشير مراقبون الى ان نشر حاملات الطائرات في الشرق الاوسط يحمل دلالات تتجاوز الملف الايراني، اذ يرسل رسائل طمأنة للحلفاء الاقليميين ويعيد تثبيت الحضور الاميركي في معادلات الامن الاقليمي.
كما يعكس الخطاب السياسي الاميركي توجها نحو اعادة تعريف دور الولايات المتحدة في النظام الدولي، من خلال قيادة عملية اعادة تشكيل التحالفات وتعزيز مراكز النفوذ في مناطق التوتر الرئيسية.
تداخل الملفات الدولية وتاثيرها على التوازن العالمي
يبرز التزام واشنطن بانهاء الحرب في اوكرانيا بالتوازي مع تصعيد الضغط على ايران كمثال واضح على ترابط الملفات الجيوسياسية، حيث تنظر الادارة الاميركية الى هذه القضايا باعتبارها حلقات في منظومة توازن عالمي واحدة.
ويرى محللون ان الجمع بين الضغط العسكري والانخراط الدبلوماسي يشير الى مرحلة انتقالية في السياسة الدولية، تتجه فيها القوى الكبرى نحو ادارة الصراعات بدلا من حسمها السريع.
خلاصة المشهد الاستراتيجي
تشير المعطيات المتوافرة الى ان العالم يدخل مرحلة اعادة ترتيب شاملة لموازين القوة، تتقدم فيها الولايات المتحدة بخطة تجمع بين اعادة بناء التحالفات وتوسيع نطاق الردع العسكري مع الحفاظ على قنوات التفاوض المفتوحة.
وفي ظل استمرار التوتر حول البرنامج النووي الايراني ومسار الحرب في اوكرانيا، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط المتبادلة والمبادرات الدبلوماسية المتوازية، في مشهد دولي يتسم بالتعقيد والتشابك غير المسبوق.
