اثارت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي الاخيرة جدلاً واسعاً بين الاردنيين والمشتركين في النظام التاميني، وسط تساؤلات حول شفافية الاجراءات وصدق الحوار الوطني الذي ادارتة الجهات الرسمية، وما اذا كانت هذه التعديلات تعكس اصلاحاً مدروساً ام خطوة متسرعة.

 

واكد خبراء ان اي تعديل في قانون الضمان يجب ان يكون محسوباً وفق اسس اكتوارية دقيقة، ويوازن بين حماية حقوق المشتركين الحاليين والمستقبلية وضمان استدامة مالية للنظام، خاصة في ظل تحديات التقاعد المبكر وارتفاع تكاليف رواتب المتقاعدين.

 

جدل حول شفافية التعديلات وتوقيت اعلانها

 

قال خبير التأمينات الاجتماعية المحامي موسى الصبيحي ان ما جرى بخصوص تعديلات قانون الضمان يثير تساؤلات جدية، مؤكداً ان غياب نسخة رسمية منشورة للنصوص المقترحة وعدم اتاحة المجال لنقاش عام او مهني حولها يزيد القلق بين المشتركين، ويضع علامات استفهام حول مصداقية خطوات الاصلاح.

 

واضاف الصبيحي ان اقرار مجلس ادارة مؤسسة الضمان للتعديلات ورفعها الى مجلس الوزراء قبل الاعلان الرسمي عن نتائج الحوار الوطني خطوة غير حكيمة وتبعث برسائل سلبية للرأي العام، خصوصاً ان الحوار الوطني ادارته المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية بطريقة شفافة وضمّت الاحزاب والكتل النيابية والنقابات المهنية والعمالية والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني، وخرج بمخرجات متوازنة كان ينبغي دراستها قبل اتخاذ اي قرار.

 

ولفت الى ان توقيت الاعلان تزامن مع مؤتمر صحفي لاعلان نتائج الحوار الوطني، ما فتح الباب لتساؤلات واسعة حول ما اذا كان الحوار شكلياً، مشدداً على ان القرارات يجب ان تستند الى نتائج الحوار ومخرجاته، وليس عكس ذلك.

 

واشار الصبيحي الى محاولاته الحصول على نسخة من التعديلات دون جدوى، مؤكداً ان غياب الشفافية زاد من حالة القلق المجتمعي، لا سيما مع ورود مئات الاستفسارات من مشتركين حول مصيرهم والاستثناءات المحتملة والتأثير الفعلي للتعديلات عليهم. 

 

واضاف: "كيف يمكن مناقشة تعديلات لا احد يعرف نصها؟"، معتبراً ان الصمت الرسمي غير مبرر في قضية تمس اكثر من مليون ونصف مشترك.

 

التقاعد المبكر ورفع سن الشيخوخة: تحديات وحقائق

 

اوضح الصبيحي ان التوجه لرفع سن تقاعد الشيخوخة لما بعد 60 عاماً للذكور و55 للاناث يشكل خطراً على سوق العمل الاردني، مؤكداً ان اثر ذلك يشمل زيادة البطالة، ارتفاع نسب الفقر، توسع التهرب التأميني، عزوف الشباب عن الاشتراك، ما يضعف منظومة الحماية الاجتماعية.

 

واشار الى ان المشكلة الحقيقية ليست بعمر الستين بحد ذاته، بل بالتقاعد المبكر الذي سبق ان منح عند اعمار منخفضة جداً، موضحاً ان من امضى 35–38 سنة اشتراكاً في الضمان هو مكسب اكتواري للنظام وليس عبئاً، مضيفاً مثالاً على مشترك يبلغ 57 عاماً ولديه 37 سنة اشتراك ويجد نفسه بلا عمل: "هل يعقل ان يترك دون راتب تقاعد حتى سن 65؟".

 

وشدد الصبيحي على ان التقاعد المبكر لا يجب الغاؤه، لكنه يحتاج الى ضبط تدريجي، مع الابقاء عليه للعاملين في المهن الخطرة والشاقة، واعادة تصنيف هذه المهن بعدالة، بحيث لا يتحمل العامل وحده كلفة الخصم، مؤكداً ضرورة التمييز بين طبيعة المهن وقدرة العاملين صحياً ومهنياً على الاستمرار حتى سن متقدمة.

 

الاسس الاكتوارية وخيار الاصلاح التدريجي

 

بدوره، اكد الخبير التأميني ومساعد المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي محمد عودة، ان التعديلات جاءت استناداً الى نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة، التي بينت ان نقطة التعادل الاولى للنظام متوقعة عام 2030 والثانية عام 2038، ما يستدعي اصلاحات تشريعية وادارية لضمان استدامة النظام على المدى الطويل.

 

وقال عودة ان الحكومة اعتمدت نهجاً تشاركياً عبر تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بادارة حوار وطني موسع، شاركت فيه احزاب سياسية وخبراء تامين وجهات معنية، نظراً لاهمية القانون كصمام امان اجتماعي واقتصادي لكل من يعيش ويعمل على ارض المملكة.

 

وبين ان الاسس المعلنة للحوار تضمنت التزاماً بعدم رفع نسب الاشتراكات وعدم المساس بالحقوق المكتسبة لمن استكملوا شروط التقاعد، مؤكداً ان اي تعديلات مقترحة ستطبق فقط على المشتركين الجدد او من لم يستكمل شروط الاستحقاق بعد، لضمان الثقة بين المؤسسة والمشتركين ومنع شعورهم بالقلق.

 

واشار الى ان التقاعد المبكر يشكل ابرز التحديات، حيث يشكل المتقاعدون مبكراً نحو 64% من اجمالي المتقاعدين، وتستحوذ رواتبهم على نحو 61% من كلفة الرواتب التقاعدية، ما يفرض اعادة النظر في شروطه وسن الاستحقاق، مع الحفاظ على حقوق من استحقوا التقاعد سابقاً.

 

نتائج الحوار الوطني ومحاور الاصلاح

 

اعلن المجلس الاقتصادي والاجتماعي نتائج الحوار الوطني، مؤكداً ان التوصيات ركزت على:

 

  • الحد من التقاعد المبكر وجعله استثناء.

 

  • رفع الحد الادنى لمدة الاشتراك الفعلي في النظام.

 

  • تقليص الفجوة بين سن التقاعد المبكر وسن الشيخوخة وفق الكلفة الاكتوارية الحقيقية.

 

  • الرفع التدريجي لسن تقاعد الشيخوخة الى 63 عاماً للذكور و58 للاناث.

 

  • تقديم حوافز تشجيعية للمشتركين للاستمرار في سوق العمل.

 

  • تعزيز الامتثال وتقليل التهرب التاميني.

 

  • تطوير استراتيجية استثمار اموال الضمان لتحقيق افضل عائد مع الحفاظ على السلامة المالية.

 

واكد المجلس ان الاصلاح يسعى لتوسيع مظلة الشمول للفئات غير المشمولة سابقاً، بما في ذلك العاملون في القطاع غير المنظم والمياومون والحرفيون والسائقون، الى جانب الاردنيين المغتربين، مع مراعاة قدراتهم المالية، وتحسين الحماية في اصابات العمل والامراض المهنية، وضبط التقاعد المبكر في المهن الخطرة وفق اسس العدالة والمخاطر.

 

التوازن بين الاستدامة والحماية الاجتماعية

 

اكد خبراء الحوار الوطني ان التعديلات تهدف الى تحقيق توازن حقيقي بين الاستدامة المالية للنظام وحماية حقوق المشتركين، بما ينسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني لتحديث نظام الحماية الاجتماعية وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، مع الالتزام بتطبيقها تدريجياً لضمان استقرار النظام وعدم المساس بالحقوق المكتسبة.

 

وشددوا على ان الهدف من الاصلاح ليس رفع السن فقط، بل تأمين استدامة مالية للضمان الاجتماعي، وضمان ان يظل صندوق الضمان قادراً على تغطية الالتزامات المستقبلية، مع حماية فئات واسعة من المجتمع، بما في ذلك العمالة غير المنظمة والمياومة والمغتربين.