كشف مدير مركز الحسين للسرطان، الدكتور عاصم منصور، عن وصول نسب الشفاء من السرطان في المركز إلى نحو 58%، مؤكدا أن اكتشاف المرض في مراحله المبكرة يرفع فرص التعافي من أكثر أنواع السرطان شيوعا إلى قرابة 90%، فيما تبلغ النسبة لدى الأطفال نحو 75%.
وقال منصور، الذي يرأس المركز منذ عام 2012، إن المركز استقبل منذ تأسيسه أكثر من 80 ألف مريض، ويستقبل حاليا نحو 6 آلاف حالة جديدة سنويا، بما يعادل قرابة 50% من مرضى السرطان في الأردن.
وشدد منصور على أن الإصابة بالسرطان ليست حكما بالموت، محذرا من أن الخوف من المرض قد يدفع بعض الاشخاص الى تأجيل الفحوص، فيما تلجأ بعض العائلات الى اخفاء التشخيص، الامر الذي قد يحرم المرضى من فرص مهمة للعلاج المبكر.
وفي مقابلة صحفية، اشار منصور الى أن حملات التوعية نجحت في رفع الوعي بسرطان الثدي وكسر الوصمة المرتبطة به، إذ ارتفعت نسبة الحالات التي يكتشفها المركز في مراحل مبكرة من نحو 5% قبل عقدين إلى قرابة 35% حاليا، لكنه أكد أن تحقيق نتائج أفضل يتطلب تحويل حملات الفحص الى برنامج وطني دائم.
أرقام الشفاء والقبول في مركز الحسين للسرطان
وبين منصور أن مركز الحسين للسرطان تطور منذ تأسيسه من مستشفى متخصص الى منظومة متكاملة تشمل الوقاية والكشف المبكر والعلاج والبحث العلمي والتعليم والرعاية التلطيفية، وأصبح من المراكز البارزة عربيا في مكافحة السرطان والابحاث وتدريب الكوادر البشرية وتأهيلها.
وردا على ما يتردد بشأن اقتصار قبول المركز على الحالات التي ترتفع فرص علاجها حفاظا على نسب النجاح، نفى منصور صحة ذلك، مشيرا الى أن نسبة كبيرة من المرضى تصل الى المركز في مراحل متقدمة، كما يستقبل حالات معقدة تحولها اليه مراكز ومستشفيات اخرى.
واكد أن نسب النجاح تحتسب لكل مرحلة من مراحل المرض على حدة، وفقا للمعايير الدولية، وتراجعها جهات اعتماد دولية، ما يعني أن استقبال مريض في المرحلة الرابعة لا يؤثر على نسب شفاء مريض في المرحلة الاولى.
وأوضح أن التحدي الاساسي يتمثل في محدودية الطاقة الاستيعابية للمركز مقابل تزايد الطلب سنويا، الامر الذي يفرض تنظيم القبول وفق معايير واضحة، من بينها أن يكون التشخيص جديدا، وألا يكون المريض قد بدأ العلاج في مكان اخر، وأن تتوفر لدى المركز خدمات تضيف فائدة للمريض، سواء من خلال العلاج الشافي او تخفيف الاعراض، الى جانب منح الاولوية للحالات الطارئة والاطفال.
ولفت الى أن المركز قد يعتذر عن قبول مريض يتلقى العلاج في مستشفى اخر، فيما يمكن قبول المرضى الذين لا يتاح لهم العلاج الشافي ضمن برنامج الرعاية التلطيفية. وشدد على أن الحل يكمن في بناء قدرات المستشفيات الاخرى، حتى لا يبقى مركز الحسين الملجأ الوحيد لمرضى السرطان.
وبشأن اكثر انواع السرطان شيوعا، ذكر منصور أن سرطان الثدي يشكل نحو 38% من مجموع الحالات لدى السيدات، يليه سرطان القولون والمستقيم والرئة والغدد اللمفاوية والمثانة وسرطان الدم. واشار الى أن سرطان الثدي والقولون قابلان للكشف المبكر، فيما يرتبط سرطان الرئة والمثانة بالتدخين، ما يجعل الوقاية عاملا مهما في الحد من الاصابة.
التدخين والكشف المبكر وكلفة العلاج
واعتبر منصور أن الوقاية والكشف المبكر يجب أن يكونا في مقدمة الاولويات، لافتا الى أن الأردن يعد من بين أعلى دول العالم في معدلات التدخين، وهو ما يفسر جزءا من العبء الذي يفرضه السرطان على القطاع الصحي.
وقال إن المرضى في المنطقة العربية ما زالوا يشخصون في مراحل متأخرة، حين يصبح العلاج أكثر كلفة وأقل جدوى، مؤكدا أن الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر يوفر مبالغ كبيرة من نفقات العلاج، وقد يسهم في انقاذ حياة المرضى.
وبحسب منصور، لا توجد تقارير موحدة عن واقع السرطان في الدول العربية، فيما تظهر التقارير الوطنية أن معدل الاصابة يتراوح بين 100 و160 حالة لكل مئة ألف نسمة. وتقل هذه المعدلات عن دول متقدمة، إذ تبلغ 452 حالة في استراليا و400 حالة في الولايات المتحدة، مرجعا ذلك جزئيا الى أن المجتمعات العربية فتية، مع احتمال وجود عوامل جينية وبيئية واختلافات في انماط الحياة، فضلا عن احتمال تأثير غياب برامج الكشف المبكر.
وحذر من أن المنطقة العربية تعاني ضعفا في البنية التحتية الصحية، وغياب الخطط الاستراتيجية، وندرة الكوادر المدربة وشح التمويل، الى جانب تفاوت كبير في جودة العلاج ونتائجه بين الدول، لدرجة أن مكان السكن والجنسية قد يحددان مصير المريض.
ودعا الى وضع استراتيجيات وطنية شاملة لمكافحة السرطان، تمتد من الوقاية والتوعية والكشف المبكر الى التشخيص السليم والعلاج المتكامل والرعاية التلطيفية، مشيرا الى أن بعض الدول وضعت استراتيجيات، لكنها بقيت دون تنفيذ بسبب غياب اليات التطبيق او الارادة السياسية.
وفي ما يتعلق بالرعاية التلطيفية، قال منصور إنها جزء اساسي من فلسفة مركز الحسين للسرطان، وتبدأ عند تشخيص المريض اذا كان يعاني ألما او اعراضا صعبة او ضغوطا نفسية، ويمكن أن تسير بالتوازي مع العلاج الشافي بهدف تحسين جودة حياة المريض في كل مرحلة.
وأضاف أن المركز يوفر فريقا متخصصا يضم أطباء وممرضين واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، الى جانب وحدة للمرضى المقيمين وعيادات خارجية وبرنامج للرعاية المنزلية ورعاية تلطيفية للاطفال، كما يعمل على تدريب كوادر من الأردن والمنطقة. لكنه شدد على الحاجة الى توسيع هذه الخدمات وطنيا وتسهيل الوصول الى أدوية تسكين الالم.
وأشار منصور الى أن العلاجات الحديثة أحدثت تحولا في التعامل مع الاورام، إذ بات من الممكن استهداف طفرات محددة في بعض الحالات باستخدام أدوية موجهة، كما أدخل المركز الفحوص الجزيئية والجينية في التشخيص الروتيني لعدد من الاورام، ويوفر برامج للعلاج المناعي وزراعة نخاع العظم والعلاجات الموجهة، ويعمل على العلاج الخلوي الذي يقوم على إعادة تأهيل الخلايا المناعية للمريض في المختبر لمهاجمة الخلايا السرطانية.
لكنه لفت الى أن التحديات لم تعد علمية فقط، بل تشمل كلفة العلاج واستدامة توفيره، إذ قد تتجاوز كلفة الدواء الموجه عشرات آلاف الدولارات سنويا للمريض الواحد، فيما تتطلب الفحوص الجزيئية بنية مخبرية وكوادر مدربة.
وأكد أن الشراكات مع المراكز العالمية أصبحت ضرورة لتطوير الابحاث والتجارب السريرية، موضحا أن المركز لا يكتفي باستيراد المعرفة، بل يشارك خبراته وبياناته مع جهات اخرى.
وحذر من أن ارتفاع كلفة العلاجات الحديثة دون ضمان العدالة في الوصول اليها قد يخلق فجوات بين المرضى، داعيا الى سياسات تشمل التأمين الصحي لمرضى السرطان، والتسعير العادل للأدوية في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، وتشجيع الادوية البديلة بعد انتهاء براءات الاختراع، وربط قرارات العلاج بالقيمة السريرية الفعلية.
مركز جديد لسرطان الأطفال بكلفة 197 مليون دولار
وفي ما يتعلق بنقل تجربة مركز الحسين للسرطان الى دول عربية اخرى، قال منصور إن النموذج قابل للنقل لكنه لا يمكن نسخه بالكامل، موضحا أن نجاحه يقوم على الحوكمة المستقلة، والالتزام بالجودة والاعتمادات الدولية، والاستثمار في الكوادر البشرية، ووجود ذراع مجتمعية لجمع التبرعات والتأمين، الى جانب الدعم السياسي المستقر.
وعن مصادر التمويل، بين أن نموذج المركز يعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية، تشمل عائدات علاج المرضى المؤمنين والمحّولين من الجهات الرسمية لتغطية النفقات التشغيلية، والتبرعات التي تجمعها مؤسسة الحسين للسرطان لتغطية علاج غير القادرين، وبرامج التأمين ضد السرطان التي توفر الحماية المالية لآلاف الاسر عند التشخيص.
وأشار الى أن كلفة العلاج ترتفع بوتيرة أسرع من مصادر التمويل، ما يدفع المركز الى التفاوض الجماعي على أسعار الادوية، واعتماد العلاجات بناء على قيمتها السريرية، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتنويع الايرادات وتوسيع قاعدة المشتركين في التأمين واستقطاب مزيد من الداعمين من الافراد والمؤسسات والدول.
وكشف منصور أن احتياجات التوسع كبيرة، وأن خطة المركز للسنوات المقبلة تتضمن تأسيس مركز متميز لسرطان الاطفال بكلفة تقارب 197 مليون دولار، بهدف توسيع الطاقة الاستيعابية واستحداث برامج جديدة، في حين تبلغ كلفة الاجهزة والمعدات نحو 20 مليون دولار سنويا، بالاضافة الى نفقات البحث العلمي وتدريب الكوادر البشرية.
وتطرق منصور الى المرضى القادمين من غزة، موضحا أن المركز استقبل منذ بداية العدوان الاسرائيلي نحو 300 مريض من مختلف الاعمار، يعانون السرطان في مراحل متقدمة، الى جانب سوء التغذية وفقر الدم ومشكلات صحية ونفسية اخرى تزيد من صعوبة العلاج.
واستذكر قصة شاب في الثامنة عشرة اصيب بسرطان الدم في بداية الحرب، واضطر الى السير على قدميه من اقصى شمال القطاع الى معبر رفح جنوبا للسفر وتلقي العلاج، مشيرا الى أن الشاب اخبره بأنه واجه الموت برفقة جدته عشرات المرات، حتى وصل الى المعبر في حالة شديدة السوء.
كما تحدث عن اطفال يعانون الخوف من الاصوات، ظنا منهم أنها قصف، واخرين يشعرون بالذنب لانهم الناجون الوحيدون من عائلاتهم التي قضت خلال الحرب.
واختتم منصور بالتأكيد على أن السرطان لن يختفي، لانه يرتبط بخلل في الخلايا ويزداد مع التقدم في العمر، لكنه اعرب عن ثقته بأن كثيرا من انواعه ستصبح قابلة للشفاء او امراضا مزمنة يمكن للانسان التعايش معها، كما حدث مع أمراض اخرى، شريطة الاستثمار في البحث العلمي والوقاية وضمان وصول الاكتشافات والعلاجات الى الجميع.
