قد يصل الدائن الى نهاية الطريق القضائي ويحصل على حكم يثبت حقه، لكنه يكتشف عند الانتقال الى مرحلة التنفيذ ان الحكم وحده لا يعني بالضرورة وصول الاموال اليه، خصوصا عندما لا يملك المدين اموالا ظاهرة يمكن الحجز عليها او عندما تمنع القواعد القانونية حبس المدين في حالته.
هذه المفارقة عادت الى الواجهة مع استمرار تطبيق تعديلات حبس المدين، التي حدت من استخدام الحبس في الديون المدنية، وفتحت نقاشا اوسع حول الوسائل التي يمكن ان تضمن للدائن استيفاء حقه، من دون ان يتحول العجز الحقيقي عن السداد الى سبب لسلب المدين حريته.
ويرى قانونيون ان المعادلة المطلوبة لا تقوم على اعادة الحبس كوسيلة رئيسية لتحصيل الديون، وانما على ايجاد ادوات تنفيذ اكثر فاعلية تميز بين مدين فقد قدرته المالية فعلا، واخر يستطيع السداد لكنه يختار الامتناع او المماطلة.
القاضي ومستشار ديوان الراي والتشريع سابقا محمود العبابنة يرى ان التجربة العملية للتعديلات كشفت عن تراجع قدرة بعض الدائنين على الوصول الى اموالهم، خصوصا عندما لا تكون هناك اموال باسم المدين يمكن التنفيذ عليها، او عندما لا تتوافر وسائل ضغط بديلة كافية لدفع المدين القادر على السداد الى الوفاء.
ويشير الى ان غالبية الديون في الاردن تقل قيمتها عن خمسة الاف دينار، ما يعني ان التغييرات التي طرأت على حبس المدين تمس شريحة كبيرة من الدائنين، لا سيما اولئك الذين لا يجدون اموالا قابلة للحجز لدى المدين.
ولا يصل الدائن الى هذه المرحلة بسهولة، بحسب العبابنة، اذ يكون قد تحمل قبل ذلك تكاليف التقاضي والرسوم واتعاب المحاماة، وبذل الوقت والجهد لاثبات حقه امام القضاء، ثم يحصل على حكم قضائي قبل ان يبدأ رحلة جديدة داخل دوائر التنفيذ ويتحمل رسوما اخرى في محاولة لاستيفاء الدين.
ومن هنا، يعتبر العبابنة ان القضية لا تتعلق بالمدين وحده، لان عدم تنفيذ الحكم القضائي فعليا قد ينعكس على الثقة بسيادة القانون وعلى العلاقات المالية، خصوصا عندما يشعر الدائن ان اثبات حقه امام المحكمة لا يضمن بالضرورة تحصيله.
ويرى العبابنة ان الاستناد الى المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تمنع سجن الانسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، لا يعني التعامل مع جميع المدينين بالطريقة نفسها.
وبحسب رايه، فان تطبيق هذا المبدأ يجب ان يرتبط بكون الالتزام تعاقديا وبثبوت اعسار المدين، وهو ما يفرض التمييز بين شخص لا يملك القدرة على السداد، وشخص يمتلك القدرة المالية لكنه يمتنع عن دفع ما عليه.
ويحذر من ان تقييد حبس المدين او الغاءه بهدف حماية الحرية والكرامة يجب الا يتحول الى وسيلة لاضعاف حقوق الدائنين او الاضرار بالمعاملات التجارية والاستثمارية، او منح بعض القادرين على السداد فرصة للتهرب من التزاماتهم.
كما يرى ان ضعف ادوات التحصيل يمكن ان يغير سلوك السوق نفسه، فكلما تراجعت قدرة الدائن على استرداد امواله، زادت مخاوف الافراد والتجار من البيع بالاجل ومنح الائتمان، ما قد يؤدي الى مزيد من الحذر في التعاملات المالية.
قيود مدنية ونظام ائتماني بدل الحبس
ويقترح العبابنة الاعتماد على مجموعة من الوسائل المدنية والمالية التي يمكن ان تشكل ضغطا على المدين القادر على السداد، دون اللجوء الى الحبس.
ويطرح في هذا الاطار مفهوم "ارهاق المدين" (Debtor's Fatigue)، من خلال فرض مجموعة من القيود التي تجعل استمرار الامتناع عن السداد اكثر صعوبة، ومن بينها تقييد فتح حسابات مصرفية جديدة او الحصول على دفاتر شيكات، وفرض قيود مرتبطة برخص القيادة والسفر، الى جانب تقييد قدرة المدين على تسجيل الشركات او المشاركة فيها.
وبحسب التصور الذي يطرحه، فان تعدد هذه الادوات يمكن ان يدفع المدين القادر على السداد الى تسوية دينه، بدلا من ترك الدائن امام خيارات محدودة بعد تقييد الحبس.
كما يدعو الى دراسة تطبيق نظام للنقاط الائتمانية (Credit Score)، بحيث يكون لكل شخص سجل مالي يعكس تاريخه في الوفاء بالالتزامات، وتتاثر درجته عند عدم دفع الديون او اصدار شيكات دون رصيد او وجود احكام مالية بحقه.
ويمكن، وفقا لهذا المقترح، ان تحفظ هذه المعلومات لدى جهة محددة، بما يسمح للمقرض او المؤجر او اي طرف يرغب في الدخول بعلاقة مالية مع شخص ما بالاطلاع على وضعه الائتماني قبل اتخاذ القرار.
وفي المقابل، يحصل الشخص الذي يحافظ على سجل ائتماني جيد على فرص افضل في الاقراض والتعاقد والتسهيلات، لتصبح السمعة المالية عاملا مؤثرا في العلاقات الاقتصادية.
ولا يرى العبابنة ان تجربة الدول التي لا تعتمد حبس المدين يمكن نقلها الى الاردن بمجرد الغاء الحبس، مشيرا الى ان دولا مثل بريطانيا وفرنسا تعتمد منظومات متكاملة للتعامل مع التعثر المالي.
وتشمل تلك المنظومات، بحسب العبابنة، انظمة للضمان والمساعدات الاجتماعية، ومؤسسات حكومية وخاصة وخيرية ونقابات وجهات مختلفة تتعامل مع حالات الاعسار، الى جانب ادوات مالية وائتمانية ورقابية تحد من التهرب من السداد وتشجع على الوفاء.
ولهذا، يرى ان مقارنة التجربة الاردنية بتجارب تلك الدول يجب ان تراعي اختلاف البيئة الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، لان نقل جزء واحد من التجربة دون بقية ادواتها قد لا يحقق النتيجة نفسها.
من جهته، يرى نقيب المحامين الاسبق مازن ارشيدات ان التعديلات الاخيرة ساهمت في تسهيل تهرب بعض المدينين من سداد ديونهم، ووضعت عددا من الدائنين امام صعوبات فعلية في تحصيل حقوقهم.
ويقول ارشيدات ان التطبيق العملي اظهر حالات من الامتناع عن السداد بعد تراجع امكانية استخدام الحبس كوسيلة ضغط، معتبرا ان نجاح معالجة ملف حبس المدين لا يقاس فقط بانخفاض اعداد المحبوسين، بل ايضا بقدرة اصحاب الحقوق على استيفاء اموالهم.
ويقر بان الحد من الحبس اسهم في تقليل اعداد النزلاء في مراكز الاصلاح والتاهيل، لكنه يرى ان هذا الاثر الايجابي ترافق مع تداعيات اخرى تتعلق بتحصيل الحقوق وتصرفات بعض المدينين.
كما يعتبر ان الاشكالية تتصل ببنية النص القانوني نفسه، مشيرا الى ان المادة 22 فرقت بين المدينين بحسب طبيعة الدين وقيمته، وبحسب الحالات التي يجيز فيها القانون الحبس او يمنعه.
ويؤكد ارشيدات ان قانون التنفيذ لا يؤثر فقط على علاقة الدائن بالمدين، بل ينعكس على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وعلى حركة التجارة والائتمان ومستوى الثقة في المعاملات المالية.
بدوره، قال عضو نقابة المحامين وليد العدوان ان التعديلات الجديدة اضعفت حقوق عدد من الدائنين، مؤكدا ان جوهر عملية التنفيذ يجب ان يكون تمكين صاحب الحق من الوصول الى امواله بعد صدور حكم قضائي لصالحه.
ويركز العدوان على الديون التي نشات قبل بدء تطبيق الاحكام الجديدة، موضحا ان اصحابها دخلوا في معاملات مالية واقرضوا اموالهم في ظل قواعد كانت توفر وسائل تنفيذ مختلفة عن تلك المتاحة بعد التعديلات.
ودعا الى معالجة اوضاع هذه الفئة، معتبرا ان الحكومة مطالبة بتحمل مسؤوليتها تجاه الدائنين الذين نشات ديونهم قبل التعديلات ثم تعرضوا لخسائر بسبب تغير وسائل التنفيذ، خاصة ان معاملاتهم تمت قبل دخول الاحكام الجديدة حيز النفاذ.
متى يمنع حبس المدين ومتى يصبح ممكنا؟
دخلت تعديلات حبس المدين حيز التنفيذ في 25 حزيران 2025، بعد انتهاء الفترة الانتقالية، وجاءت في اطار تقليل الاعتماد على الحبس والتوسع في وسائل اخرى لتحصيل الديون، من بينها الحجز على الاموال المنقولة وغير المنقولة، والمنع من السفر، والتسويات المالية.
وبحسب قانون التنفيذ الجديد لعام 2022، تنظم المادة 22 حالات طلب حبس المدين وشروطه، اذ يحق للدائن طلب الحبس اذا لم يسدد المدين الدين او لم يعرض تسوية تتناسب مع قدرته المالية خلال مدة اخطاره، على الا تقل الدفعة الاولى في التسوية عن 15% من المبلغ المحكوم به.
وحدد القانون مدة الحبس بما لا يتجاوز 60 يوما في السنة الواحدة عن الدين الواحد، وترتفع الى 120 يوما في حال تعددت الديون.
وفي المقابل، وضعت المادة 23 فئات لا يجوز حبسها، من بينها موظفو الدولة، ومن لا يكون مسؤولا بشخصه عن الدين، والمدين الذي لم يبلغ 18 عاما، والمدين المفلس، والمجنون، والمراة الحامل حتى مرور ثلاثة اشهر على وضعها، وام المولود حتى يبلغ الطفل عامين.
كما يشترط لطلب الحبس اثبات قدرة المدين على دفع الدين، ويتعين على الدائن اخطاره بتسديد المبلغ او قبول تسوية تتناسب مع قدرته المالية، على الا تقل الدفعة الاولى عن 15% من قيمة المبلغ المحكوم به.
واذا لم يسدد المدين او لم يقبل التسوية خلال فترة الاخطار، يصبح للدائن حق طلب الحبس ضمن الشروط التي حددها القانون.
ولا يحبس المدين اذا كان المبلغ المحكوم به اقل من خمسة الاف دينار، او كان مفلسا اثناء معاملات الافلاس، او كان معسرا، او محجورا عليه للسفه او الغفلة، او كان الدين موثقا بتامين عيني.
كما يمنع الحبس اذا كان من شانه احداث اثار اجتماعية سلبية او الاضرار بافراد اسرة المدين، ومن ذلك عدم حبس الزوجين معا، او في حال وفاة زوج المدين، او اذا كان زوج المدين نزيلا في احد مراكز الاصلاح والتاهيل وكان لديهما ابن يقل عمره عن 15 عاما او من ذوي الاعاقة.
وتشمل الحالات التي يمنع فيها الحبس ايضا المدين المريض، او اذا كان الدين بين الازواج او الاصول او الفروع او الاخوة، ما لم يكن نفقة، وكذلك الدين الموثق بتامين.
وبذلك، اصبح ملف حبس المدين قائما على معادلة اكثر تعقيدا من مجرد السماح بالحبس او منعه، فالقانون يضع شروطا وحالات محددة، بينما يطالب قانونيون بتوسيع البدائل التي تمكن الدائن من الوصول الى حقه، مع الحفاظ على حماية المدين الذي يثبت عجزه الحقيقي عن السداد.
وتبقى المعضلة الاساسية في قدرة منظومة التنفيذ على التمييز بين من لا يملك المال فعلا، ومن يملك القدرة على الوفاء لكنه يمتنع عنه، بحيث لا يتحول حماية المدين المعسر الى وسيلة لاضاعة حق الدائن، ولا يصبح الدين المدني سببا لسلب حرية شخص عاجز فعليا عن السداد.
