اعادت محكمة التمييز الاردنية قضية حقوقية تعود وقائعها إلى عام 2010 إلى الواجهة، بعد أن نقضت حكما صادرا عن محكمة استئناف عمان كان قد قضى برد دعوى للمطالبة بمبلغ 60 الف دينار، على خلفية خلاف حول مبلغ دفع ثمنا لشقة سكنية، وارتباط ذلك بمدى اهلية مالك العقار للتصرف وقت توقيعه سند الاقرار.
وقضت محكمة التمييز، وفق رصد موقع “صوت عمان”، بقبول الطعن التمييزي موضوعا ونقض القرار المطعون فيه واعادة الاوراق إلى مصدرها لاجراء المقتضى القانوني، وذلك بعد أن رأت أن الخبرة التي اعتمدت عليها محكمة الاستئناف في تحديد الحالة العقلية للمتوفى وقت توقيع الاقرار لم تكن كافية لحسم المسالة.
حكاية 60 الف دينار وشقة سكنية
تعود بداية القضية إلى عام 2010، عندما تم الاتفاق بين المدعي ومالك شقة سكنية على بيع الشقة الواقعة البالغة مساحتها 122 مترا مربعا والمقامة في حوض عرجان.
وبحسب وقائع الدعوى، فقد دفع المدعي بتاريخ 1/2/2010 مبلغ 60 الف دينار مقابل الشقة، وتم تنظيم سند اقرار بالمبلغ، على أن يقوم البائع بالتنازل عن الشقة ونقل ملكيتها إلى المشتري قبل تاريخ 8/3/2010.
الا أن عملية نقل الملكية لم تتم، وهو ما دفع المدعي لاحقا إلى المطالبة باسترداد المبلغ، على اساس أن الاتفاق المتعلق ببيع العقار خارج دائرة تسجيل الاراضي والمساحة لا ينتج اثره القانوني باعتباره باطلا وفقا لما ورد في الدعوى.
وبحسب ادعاءات المدعي، فإنه طالب البائع مرارا باعادة مبلغ الـ60 الف دينار، الا أنه لم يقم بالسداد، الامر الذي دفعه إلى اللجوء للقضاء والمطالبة بالمبلغ، إلى جانب الفائدة القانونية والحجز التحفظي.
وفي 12/6/2013 اقام المدعي دعوى امام محكمة بداية حقوق عمان، مطالبا بالزام المدعى عليه بدفع مبلغ 60 الف دينار مع الفائدة القانونية والحجز التحفظي.
وبعد استكمال اجراءات المحاكمة، قضت المحكمة بالزام المدعى عليه بدفع مبلغ 60 الف دينار، اضافة إلى الرسوم والمصاريف والفائدة القانونية من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام، ومبلغ 500 دينار اتعاب محاماة.
ورثة البائع يدخلون على خط القضية
بعد وفاة المدعى عليه، انتقلت الخصومة إلى ورثته، الذين لم يقبلوا بالحكم الصادر عن محكمة البداية، فتقدموا باستئناف للطعن فيه.
وبتاريخ 22/6/2023 جرى الطعن بالحكم امام محكمة استئناف عمان، التي نظرت القضية وانتهت في حكمها الصادر بتاريخ 27/10/2025 إلى فسخ الحكم المستأنف ورد دعوى المدعي.
كما قررت المحكمة، وفق رصد موقع “صوت عمان”، تضمين المدعي الرسوم والمصاريف ومبلغ 1500 دينار اتعاب محاماة عن مرحلتي التقاضي.
ولم يقبل المدعي بهذا الحكم، فتقدم بالطعن تمييزا بتاريخ 25/11/2025، وتبلغ المميز ضدهم اللائحة التمييزية بتاريخ 30/11/2025، فيما قدموا لائحة جوابية بتاريخ 7/12/2025.
ودار جوهر الطعن امام محكمة التمييز حول مسالة اساسية تتعلق بالسند الذي استند اليه المدعي للمطالبة بالمبلغ، ومدى اعتباره سندا رسميا، اضافة إلى مسالة اكثر تعقيدا تتعلق بالحالة العقلية للمتوفى وقت توقيعه الاقرار.
هل كان المتوفى مدركا لما وقع عليه؟
دفع الطاعن بأن الاقرار موضوع الدعوى تم تنظيمه بصورة قانونية، واعتبره سندا رسميا لا يجوز الطعن فيه الا بالتزوير، كما تمسك بأن تنظيم الاقرار جرى بواسطة موظف حكومي مختص، وأن مضمونه تلي على المقر قبل التوقيع عليه، ما يعني، بحسب وجهة نظره، أن المقر كان مدركا لما اقر به.
كما دفع بأن دعوى الحجر لا تنتج اثارها القانونية إلا بعد صدور قرار بالحجر، وأن الاقرار موضوع القضية تم تنظيمه قبل اقامة دعوى الحجر، الامر الذي يعني، من وجهة نظره، أن التصرف كان نافذا وقت ابرامه.
واعتبر كذلك أنه يعد من الغير حسن النية، وأنه دفع مبلغ 60 الف دينار، وبالتالي أصبح هذا المبلغ حقا مكتسبا له، مستندا إلى استقرار المراكز القانونية.
كما اعترض على الخبرة الطبية التي اعتمدت عليها محكمة الاستئناف، واثار سلسلة من الملاحظات حول اختصاص الخبراء والتناقض في بعض اقوالهم ومدى قدرتهم على تحديد حالة المتوفى العقلية في التاريخ المحدد لتوقيع الاقرار.
الا أن محكمة التمييز لم توافق على اعتبار سند الاقرار سندا رسميا، موضحة أن السند الموجود ضمن بينات الدعوى موقع بتوقيع منسوب إلى مورث المستأنفين، لكنه ليس من الاسناد الرسمية، ولم ينظم امام كاتب العدل، ولا يحمل سوى التوقيع المنسوب إلى المتوفى.
وبالتالي، ردت المحكمة ما اثير بشأن ضرورة الطعن بالتزوير او دعوة كاتب العدل ومستمع الاقرار، باعتبار أن السند لا يحمل الصفة الرسمية التي تمسك بها الطاعن.
الخبرة الطبية تعيد القضية إلى نقطة البداية
وفي المقابل، توقفت محكمة التمييز بصورة موسعة عند الخبرة الفنية التي اجريت لتحديد ما اذا كان مورث المستأنفين مدركا لافعاله عند توقيع الاقرار بتاريخ 1/2/2010.
وبحسب القرار، الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، اجريت الخبرة بواسطة ثلاثة خبراء، احدهم متخصص في الطب الشرعي، واثنان في جراحة الدماغ والاعصاب، وانتهوا إلى أن المتوفى كان قد تعرض لجلطات دماغية متعددة ادت إلى خرف الشيخوخة خلال عامي 2004 و2005، وبالتالي خلصوا إلى أنه لم يكن مدركا لافعاله عند توقيع الاقرار عام 2010.
كما اشارت المحكمة إلى وجود اعلام حكم صادر بتاريخ 5/5/2011، ومصدق استئنافا بتاريخ 28/7/2011، ويتضمن الحجر على مورث المميز ضدهم واعتبار تصرفاته القولية باطلة من تاريخ اصابته بالمرض، دون تحديد تاريخ بدء المرض.
لكن محكمة التمييز سجلت عدة ملاحظات على الاساس الذي بنيت عليه الخبرة، من بينها أن بعض التقارير الطبية التي استند اليها الخبراء صادرة عن مراكز خاصة ولم تبرز بواسطة منظميها، فيما جاءت تقارير اخرى بعد تاريخ توقيع سند الاقرار.
كما رأت المحكمة أن الخبرة التي اعتمدت عليها محكمة الاستئناف لم تكن كافية من الناحية الفنية، نظرا إلى اقتصار فريق الخبرة على طبيب في الطب الشرعي وطبيبين متخصصين في جراحة الدماغ والاعصاب، دون الاستعانة باطباء من تخصصات اخرى ترى المحكمة أنها ضرورية لحسم حالة المريض العقلية والنفسية.
واشارت المحكمة تحديدا إلى الحاجة إلى خبراء من ذوي الاختصاص في الطب النفسي والباطنية والاعصاب والدماغ، للوقوف على الحالة النفسية والعقلية للمتوفى في التاريخ الذي وقع فيه الاقرار.
كما طلبت المحكمة أن تتناول الخبرة الجديدة، عند اجرائها، ما اذا كان المتوفى مدركا لتصرفه في تاريخ 1/2/2010، وما اذا كانت حالته الصحية تؤثر في اهليته لمباشرة التصرفات القانونية.
التمييز تحسم نقطة وتعيد اخرى للمحكمة
وبعد دراسة اسباب الطعن، رأت محكمة التمييز أن المحكمة الاستئنافية اعتمدت على خبرة لم تكن كافية للوصول إلى نتيجة حاسمة بشأن الحالة العقلية والادراكية للمتوفى وقت توقيع سند الاقرار.
كما اشارت إلى ضرورة التحقق بشكل ادق من تاريخ بداية المرض ومدى تاثيره في اهلية المتوفى، وما اذا كانت الاصابة الصحية التي تعرض لها قد افقدته القدرة على الادراك والتصرف القانوني في التاريخ المحدد.
وبناء على ذلك، قررت محكمة التمييز قبول الطعن التمييزي موضوعا ونقض القرار المطعون فيه واعادة الاوراق إلى مصدرها لاجراء المقتضى القانوني، دون الدخول في بحث بعض الاسباب الاخرى في هذه المرحلة.
وبذلك، لم تنته القضية بحسم نهائي لمصلحة اي من الطرفين، وانما عادت إلى محكمة الاستئناف لاجراء ما طلبته محكمة التمييز من مقتضيات قانونية وفنية، وعلى راسها اعادة بحث مسالة اهلية المتوفى وقت توقيع الاقرار والاستعانة بخبرة اكثر شمولا وتخصصا.
