تمر اليوم ثلاثة عقود ونيف على توقيع اتفاق اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل في البيت الابيض. ولم تعد التساؤلات الراهنة تبحث في مدى نجاح هذا الاتفاق او فشله. بل تتركز حول ما تبقى منه فعليا على ارض الواقع بعد ان شهدت الجغرافيا الفلسطينية تحولات جذرية اعادت رسم المشهد بالكامل.
واضافت المعطيات الميدانية ان التوسع الاستيطاني المستمر وشق الطرق الالتفافية وبناء الجدار العازل ساهمت جميعها في تقطيع اوصال المدن والقرى الفلسطينية. وبين خرائط الاتفاق الاولى والواقع القائم اليوم تبدو الهوة شاسعة بين الدولة التي وُعد بها الفلسطينيون وبين الجغرافيا التي تشكلت بفعل الاجراءات الاحتلالية المتراكمة.
وبينت الاحصائيات ان عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية قفز من نحو 268 الفا عام 1993 الى 780 الفا خلال العام الحالي. حيث يتوزعون الان على 192 مستوطنة و350 بؤرة استيطانية تتغلغل في عمق الاراضي الفلسطينية.
تقسيمات ضُربت بعرض الحائط
واكد معهد الابحاث التطبيقية اريج في تقرير حديث ان الادوات غير المباشرة للاستيطان اعادت تشكيل الجغرافيا والسيطرة في الضفة الغربية. حيث تم تقسيم الضفة الى مناطق (أ) و(ب) و(ج) ضمن اطار سياسي واداري افرغته الممارسات الميدانية من اي مضمون سيادي.
واوضح المعهد ان المنطقة (أ) تشكل 18% من مساحة الضفة وتخضع لسيطرة فلسطينية. بينما المنطقة (ب) تشكل 21% وتخضع لادارة مدنية فلسطينية وسيطرة امنية اسرائيلية. في حين تستحوذ المنطقة (ج) على 61% من المساحة وتخضع لسيطرة اسرائيلية كاملة ومطلقة.
وكشفت التطورات الميدانية عن تحول جوهري في طبيعة المشروع الاستيطاني الذي انتقل من التوسع المباشر الى اختراق مناطق (أ) و(ب) بادوات تخطيط وبنية تحتية مرنة. مما ادى الى تآكل الحدود الوظيفية بين هذه التصنيفات وتجاوز القيود القانونية الظاهرية.
تداخل فرّغ التقسيم من مضمونه
واشار الباحثون الى ان هذا التداخل ادى الى تفريغ التقسيم من مضمونه وتحويل المناطق الفلسطينية الى مساحات قابلة للاختراق عبر توسيع نفوذ المستوطنات. مما يسهل على اسرائيل توسيع سيطرتها الجغرافية باقل كلفة سياسية وقانونية ممكنة.
وذكرت البيانات ان نطاق نفوذ المستوطنات لم يعد محصورا في المساحات المبنية. بل امتد ليشمل اراضي زراعية ومفتوحة حيث تقع 19% من مناطق نفوذ المستوطنات داخل المنطقة (أ). و86% داخل المنطقة (ب) بمساحات شاسعة.
وشددت التقارير على ان المنطقة (ب) شهدت تحولا لافتا مع انشاء اكثر من 10 بؤر استيطانية جديدة منذ منتصف العام المنصرم. في خطوة تؤكد ان الاستيطان بات نظاما متكاملا لاعادة هندسة الارض وتقويض اي تسوية سياسية مستقبلية.
ادوات التفتيت
واكد خبراء هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان التغيرات الجغرافية تعود الى دعم خارجي وشراكة دولية مع اسرائيل. حيث واصل الاحتلال مصادرة الاراضي وشق الطرق الالتفافية لتقطيع اوصال التجمعات السكانية الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض.
واوضح حسن بريجية مدير دائرة القانون الدولي في الهيئة ان اسرائيل تستغل 70% من مساحة مناطق (ج) عبر منع البناء وتهجير السكان بموجب اوامر عسكرية. مشددا على ان الاستيطان غير شرعي بموجب القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية.
واضاف ان الحكومة الاسرائيلية الحالية تعتبر هذه المرحلة ذهبية لتنفيذ مخططاتها في ظل الوهن الاقليمي والدولي. حيث تسعى لفرض وقائع تمنع قيام كيان فلسطيني متصل جغرافياً من خلال سياسة فرض الامر الواقع.
خرق القانون الدولي
وذكر الخبراء ان اسرائيل تحاول سحب القضية الفلسطينية الى مربع الاراضي المتنازع عليها لتجاوز قرارات الامم المتحدة. ورغم ان اتفاقية اوسلو نصت على منع توسيع الاستيطان. الا ان الواقع الميداني تجاوز ذلك بشكل صارخ.
وبينت الوقائع ان محكمة العدل الدولية دعت اسرائيل لوقف الاحتلال طويل الامد وكل اعمال الاستيطان غير الشرعي. الا ان اليمين المتطرف في اسرائيل يصر على المضي قدما في هذه السياسات متجاهلا كافة المواثيق والاتفاقيات.
واكد المختصون ان هذه المرحلة تشهد ذروة الاعتداءات الاستيطانية. حيث لم تعد هناك حدود فاصلة بين سلوك الجماعات الاستيطانية والسياسات الرسمية للحكومة الاسرائيلية التي تهدف الى شطب الحقوق الفلسطينية.
اوسلو.. محطة عبور مؤقتة
واوضح محمد هلسة المختص في الشؤون الاسرائيلية ان الحكومات الاسرائيلية تعاملت مع اتفاق اوسلو منذ البداية كمحطة عبور مؤقتة وليس كتسوية سياسية. حيث جرى استخدامه كاطار امني واداري يخدم المصالح الاسرائيلية فقط.
واكد هلسة ان تيار اليمين القومي يتبنى اليوم شعار سحق السلطة الفلسطينية. مع طرح مشاريع قوانين تسعى لالغاء اتفاق اوسلو بشكل نهائي. مما يعكس رغبة في التخلص من اي التزامات تجاه الفلسطينيين.
واختتم المحلل حديثه بان النخب السياسية والامنية في اسرائيل تنظر لاتفاق اوسلو اليوم باعتباره اتفاقا ميتا لا يحتفظ الا باسمه فقط. وان الاجماع الاسرائيلي بات يرفض فكرة الدولة الفلسطينية لصالح مشاريع التهجير والطرد والاحلال.
