تحتفظ الحاجة يسرى ابو الخير بصورة لزوجها الشهيد في هاتفها الخلوي، وتسترجع بمرارة تفاصيل اعدامه برصاص جنود الاحتلال داخل منزلهما في قطاع غزة، حيث تحولت حياتها وحياة حفيدتيها الى سلسلة من المآسي التي لم تنتهِ بانتهاء الاعتقال. واضافت الجدة السبعينية ان ذاكرتها لا تزال تختزن صرخات الالم والمشاهد القاسية التي تعرضت لها رفقة حفيدتيها في اقبية التحقيق، مؤكدة ان ما عاشته من تنكيل يتجاوز كل حدود الوصف الانساني.
وبينت يسرى ان لحظة اقتحام المنزل كانت بداية الكابوس، حيث قام الجنود بتفجير الابواب وقتل زوجها رفيق بدم بارد امام اعينهم، ثم اقتادوها مع حفيدتيها وافراد من عائلتها الى جهة مجهولة، كاشفة ان رحلة العذاب استمرت لايام طويلة في حافلات عسكرية وسط ظروف جوية قاسية ومعاملة مهينة تحت تهديد السلاح.
واكدت المحررة ان فترة اعتقالها التي استمرت لنحو شهرين كانت جحيما حقيقيا، حيث قيدت ايديها وحفيداتها وعصبت اعينهن، مشيرة الى ان المعاناة تضاعفت داخل سجون الاحتلال حيث غابت ابسط مقومات الحياة، وازداد القلق في قلبها على حفيدتيها اللتين كانتا تنقلان للتحقيق دون ان تعرف مصيرهما.
جحيم السجون وقسوة السجان
واوضحت سجود ابو الخير، البالغة من العمر ثمانية عشر عاما، ان التنقل بين السجون كان يعني بالنسبة لهن بداية مرحلة جديدة من التعذيب النفسي والجسدي، مبينة ان السجانين كانوا يتعمدون اهانتهن والاعتداء عليهن بالضرب المبرح، خاصة في مواضع الالم التي يشكون منها، في محاولة لكسر ارادتهن.
وذكرت سجود ان غياب الخصوصية كان جزءا من سياسة العقاب الممنهج، حيث كان يتم نزع ملابسهن واهمال احتياجاتهن الصحية بشكل متعمد، واضافت ان الجنود كانوا يستخدمون الفاظا بذيئة ويهددونهن بالقتل والاغتصاب، مما خلق حالة من الرعب الدائم داخل الزنازين المظلمة التي تفتقر لكل شيء.
وشددت الفتاة على ان قسوة السجان لم تفرق بين طفلة او مسنة، بل كان التركيز على اذلالهن كونهن من قطاع غزة، موضحة ان كل محاولات الترهيب والتهديد التي مارستها ادارة السجون لم تكن سوى محاولة يائسة لاخضاعهن، بينما كن يحاولن الصمود ودعم بعضهن البعض في مواجهة هذا الواقع المرير.
فقدان الطفولة تحت وطاة القمع
واشارت تقى ابو الخير، التي اعتقلت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، الى ان تجربة السجن سلبت منها براءتها وجعلتها تكبر قبل اوانها، موضحة ان الكوابيس لا تزال تلاحقها في منامها بعد ان عاشت ظروفا قاسية من التحقيق المتكرر والاهانات التي لا تغيب عن ذاكرتها.
واضافت ان الجنود كانوا يتعاملون معها باستحقار رغم علمهم بصغر سنها، حيث كانت المجندات يمارسن عليها شتى انواع العنف الجسدي واللفظي، مبينة ان الاعتقال لم يكن مجرد سلب للحرية بل كان محاولة لمحو هويتها كطفلة كان من المفترض ان تكون على مقاعد الدراسة لا بين جدران الزنازين.
وبينت تقى ان صبرها وشقيقتها كان الوسيلة الوحيدة للنجاة من الانهيار، حيث كانتا تواسيان بعضهما البعض رغم الدموع، مؤكدة ان آثار السجن ستظل محفورة في ذاكرتها كشاهد على انتهاكات الاحتلال الصارخة بحق الاطفال والنساء، وهو ما يفسر حجم الصدمة التي تعيشها اليوم.
تصاعد الانتهاكات بحق الاسيرات
وكشف نادي الاسير الفلسطيني ان السجون شهدت منذ بدء الحرب تصاعدا خطيرا في وتيرة القمع الممنهج، حيث يعيش اكثر من تسعة الاف معتقل ظروفا لا انسانية، واضاف البيان ان سياسة التجويع والاعتداءات الجنسية والجسدية اصبحت سمة ملازمة لواقع الاسرى والاسيرات.
واكدت التقارير ان سجن الدامون يحتجز بداخله عشرات الاسيرات في ظروف بيئية سيئة تساهم في انتشار الامراض، موضحة ان الاحتلال يفرض عزلا تاما على المعتقلات عن العالم الخارجي، ويمنع اهاليهن من الزيارة، في تحدٍ واضح لكافة القوانين والاعراف الدولية.
واظهرت البيانات ان الاحتلال لا يزال يمارس سياسات السلب والحرمان بحق الاسيرات، بما في ذلك الاسيرات الحوامل والاطفال، مشيرة الى ان المنظومة العقابية للاحتلال تهدف الى كسر ارادة الفلسطينيين من خلال ممارسة التعذيب البنيوي الذي لا يستثني احدا من ويلات الحرب والاعتقال.
