يحتفظ المؤرخ الفلسطيني مجدي العايدي بذاكرة الكترونية صغيرة داخل جيبه الشخصي، حيث يرى فيها كنزاً يتجاوز قيمته المادية، فهي تضم اكثر من 5 الاف صورة توثق تاريخ فلسطين قبل النكبة وخلالها وبعدها. واكد العايدي البالغ من العمر 58 عاما ان هذه الذاكرة رافقته في رحلة النزوح القاسية طوال اعوام الحرب، مشددا على انها باتت بمثابة احد ابنائه الذين يحرص على حمايتهم من الضياع والنسيان. واضاف ان شغفه بالبحث والتوثيق لم يتوقف رغم تعرض مكتبته الشخصية التي احتوت على آلاف الكتب للاحتراق الكامل خلال الاحداث.
قصة الابن الرابع من سلالة العلم
وبين العايدي وهو يتحدث عن علاقته بهذا الارشيف الرقمي انه يمتلك اربعة ابناء، ثلاثة منهم من البشر وواحد من سلالة العلم وهو هذه الذاكرة التي يحرص على فحص سلامتها باستمرار حتى في اصعب الظروف الامنية. واوضح ان هذا المشروع التوثيقي لم يأت من فراغ، بل كان نتاج سنوات طويلة من القراءة والتحقيق وجمع الشهادات الحية من كبار السن حول القرى والبيوت والحكايات التي سبقت التهجير. واكد ان مكتبته التي دمرها القصف كانت تمثل المرجع الاول لعمله، حيث كان يجلس مع الشهود لتدوين تفاصيل الرحلة من البيت الى المنفى.
من الانساب الى توثيق الصورة
وكشفت رحلة البحث التي خاضها العايدي عن تحول اهتماماته من مجرد البحث في الانساب الى توثيق الصورة كدليل مادي لا يقبل التأويل. واشار الى ان كتابه جذور العزة في بلاد غزة جاء كثمرة لهذا الجهد، مبينا ان الصورة اصبحت بالنسبة له شهادة حية على ان الفلسطينيين كانوا هنا بمدنهم واسواقهم ومؤسساتهم. واضاف ان دعم والده واقاربه كان دافعا قويا له لترك التجارة والتفرغ لهذا العلم الذي اعتبره نداء شخصيا ووطنيا لا يمكن التخلي عنه.
توثيق التاريخ باليقين
واكد الباحث الفلسطيني ان كل رواية شفوية او صورة قديمة تحتاج الى سند تاريخي ومقارنة دقيقة للوصول الى نسبة عالية من اليقين. واوضح انه خاض دورات متخصصة في التحقيق التاريخي ليتمكن من معالجة المعلومات بدقة علمية معتمدة. واضاف انه يتبع قاعدة التحقيق باليقين التي تعلمها من المؤرخ محمد سليمان الطيب، حيث يكتب ما وصل اليه اليوم ويترك الباب مفتوحا لأي معلومة ادق قد تظهر في المستقبل.
صور تروي حكاية الاقتلاع
واستعرض العايدي بعض الصور النادرة التي حصل عليها، مثل صور لقرية الجورة التي تظهر تفاصيل حياة الناس ومهنهم قبل عام 1948. واضاف ان كل صورة تمر بمراحل فحص دقيقة للتحقق من سياقها ومصدرها لضمان عدم تعرضها للتعديل. واكد ان هذه الصور ليست مجرد لقطات فوتوغرافية، بل هي شواهد بصرية تملأ الفراغات في ذاكرة الشعب الفلسطيني وتؤكد حقه في الارض.
طه بيك وتاريخ النكبة
وبين المؤرخ ان صورة الضابط المصري طه بيك في عراق المنشية تمثل لحظة فارقة في تاريخ النكبة العسكري والمدني. واشار الى ان خروج اخر المدافعين من هذه القرية كان بمثابة اكتمال لمشهد الاقتلاع الذي واجهه الاهالي. واكد العايدي ان ذاكرته الالكترونية ستظل تحمل هذه الحكايات كأمانة، ليمنح الغائبين والمهجرين فرصة اخرى للحضور عبر الصورة والكلمة التي ترفض ان تموت.
