وسام قبيلات
مع انبثاق أول خيوط الضياء لليوم المستجد، شقّ والد الفارس الراحل طريقه صوب ذلك التل الصامت. لم يكن الممشى نحيباً أو ارتماءً لطلب السلوى، بل كان لقاءً مهيباً بين جيلين تعاهدا على الذود عن تراب هذه البيداء حتى الرمق الأخير. أطلّ الوالد على المسجى الطريّ، يرمقه بنظرة وقار تشبه صفاء سمائه، مدركاً أن من أنجبه لم يمت عبثاً، بل غدا سياجاً يمنع السوء عن الأهل والديار.
تأمّل ملامح ذلك البدويّ المهيب وهو يُسامر قبراً لم يجفّ طينه بعد؛ لوعة الأبوة تجتاح أركانه، لكن حياء الفروسية يمنعه من الانهيار. لقد غرس في صلب نسله حب الأنفة والتصدي للشرور، وحين نادت النوبُ ملبيها، تقدّم الصغير طائعاً غير هيّاب. وها هو الأصل يأتي ليتفقد فرعه المبتور ظلماً، شاهداً للملأ على أن بذل الأرواح في سبيل الطمأنينة ليس هلاكاً، بل خلودٌ لا يبلغه سوى الأنقياء.
تحمل وقفة ذلك المسنّ عند مسقط رأس ابنه الأبدي دلالة بالغة القسوة على من أضمروا العداء لأهل هذه الأرض؛ فالنفوس هاهنا تألف الموت في ميادين الدفاع، وتستقبل الخطوب بجباه شامخة. الشيخ الذي ودّع عصا شيبته باحتساب وهدوء، يلقي درساً لكل مترصد، بأن دماء النشامى لم تُسفك لتصنع هواناً، وإنما لتوقد في الصدور عزماً يقطع دابر البغاة وأهل الضلال.
قفل الرجل عائداً نحو قومه، مُخلّفاً ريحانته في جوار الرحيم، لكنه طبع في وجدان السامعين صورة لا تمحوها السنون؛ لقد نام الفتى قرير العين، وبقي الأب منارة ثبات، يخبر الحاضر والآتي أن الأوطان تعيش وتزدهر كلما جاد حراسها بأنفاسهم دون تردد.
