تتحرك الهند بخطوات متسارعة نحو تغيير موقعها في خارطة التكنولوجيا العالمية عبر التحول من كونها مجرد سوق استهلاكية ضخمة للإلكترونيات إلى قوة تصنيعية فاعلة ومؤثرة في مجال أشباه الموصلات والرقائق الذكية المتطورة.
وتسعى نيودلهي لبناء منظومة متكاملة تشمل التصميم والتصنيع والتغليف والبحث والتطوير، مستغلة في ذلك التغيرات الجيوسياسية العالمية التي دفعت الشركات الكبرى إلى إعادة توزيع سلاسل إمداد الرقائق بعيدا عن مراكز التصنيع التقليدية.
واوضحت التقارير الاقتصادية أن هذا التحول يأتي تزامنا مع تصاعد الطلب العالمي على الحوسبة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما دفع الحكومة الهندية لتقديم تسهيلات وحوافز مالية ضخمة لجذب الاستثمارات التكنولوجية الأجنبية.
استثمارات ضخمة لتعزيز القدرات المحلية
وكشفت شركة ابلايد ماتيريالز الامريكية عن خطة استثمارية تصل قيمتها الى 5 مليارات دولار على مدار العقد المقبل، وذلك بهدف تعزيز منظومة اشباه الموصلات المحلية في الهند وتطوير الكفاءات البشرية الفنية.
واضافت الشركة أنها تخطط لإنشاء مجمع متقدم لأبحاث الرقائق على مساحة شاسعة، مع التركيز على توسيع القدرات الهندسية وزيادة طاقة سلسلة التوريد المحلية عشرة اضعاف بحلول عام 2035 لضمان ريادة السوق.
وبينت التحليلات أن هذه الخطوة لا تهدف إلى إنشاء مصنع إنتاج ضخم فحسب، بل تركز على توفير المعدات والتقنيات الأساسية التي تحتاجها مصانع الرقائق العالمية لضمان استمرارية وتطور عمليات التصنيع.
الهند قوة صاعدة في تصميم الرقائق
واكدت بيانات صناعية أن الهند تمتلك بالفعل قاعدة قوية في تصميم البرمجيات والرقائق، حيث يعمل بها أكثر من 85 الف متخصص يمثلون نحو 20 بالمئة من قوة العمل العالمية في هذا المجال.
واضافت الحكومة الهندية برنامج سيمكون 2.0 بميزانية تتجاوز 15 مليار دولار، لدعم التصنيع والتغليف المتقدم، مما يعكس رغبة نيودلهي في السيطرة على مراحل الإنتاج كافة بدلا من الاكتفاء بعمليات التصميم البرمجي.
وشدد الخبراء على أن هذا التوجه يربط استراتيجية الدولة في الذكاء الاصطناعي بالقدرة على تصنيع المكونات محليا، مما يقلل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية في المكونات الحساسة ووحدات المعالجة الرسومية المتقدمة.
تحديات الطريق نحو الريادة التكنولوجية
واظهر الواقع الميداني أن الطريق لا يزال طويلا، حيث لم تبدأ الهند بعد في الإنتاج التجاري من مصانع متكاملة، مع تأخر بعض المشاريع الكبرى عن الجدول الزمني المحدد لها سابقا.
واوضحت التقارير أن صناعة الرقائق تتطلب بنية تحتية معقدة تشمل موارد طاقة ومياه مستقرة، فضلا عن خبرات تشغيلية وسلاسل توريد دقيقة لا يمكن بناؤها عبر الاستثمار المالي وحده مهما بلغت قيمته.
واكدت الحكومة الهندية أن نجاحها يقاس بقدرتها على دمج التصميم المحلي مع التصنيع العالمي، معتبرة أن هذه المرحلة هي مجرد بداية لمسار طويل يهدف إلى جعل الهند ركيزة أساسية في الاقتصاد التكنولوجي.
