يعيش سكان غزة تجارب قاسية لا يمكن للعقل البشري استيعابها بسهولة حيث تحولت الحياة اليومية الى سلسلة من الفقد والبحث عن الاحبة تحت ركام المنازل التي دمرتها الغارات العنيفة خلال فترات الحرب المستمرة.
واظهرت شهادات حية كيف يضطر المسعفون للتعامل مع جثامين اقاربهم واصدقائهم ببرود ظاهري يخفي خلفه انهارا من الدموع والالم العميق في محاولة منهم لاكمال مهمتهم الانسانية النبيلة رغم حجم الكارثة التي تحيط بهم.
واكد الناجون ان تلك اللحظات الصعبة تظل محفورة في ذاكرتهم كجروح لا تندمل حيث تستحضر الشوارع والازقة قصص الاستهداف والانتشال التي جعلت من الحرب جزءا لا يتجزأ من جغرافيا المدينة وتفاصيل حياتهم اليومية.
مواجهة الموت وجها لوجه
وكشفت تجارب المكفنين عن جانب اخر من المأساة حيث يرى هؤلاء الموت عيانا في غرف التكفين ويحاولون الحفاظ على كرامة الشهداء رغم كثرة الاشلاء وصعوبة التعرف على هوية الضحايا الذين سقطوا في ظروف مروعة.
واضاف المكفنون انهم لا يعتادون ابدا على رؤية الموتى اذ تظل كل حالة تترك اثرا بالغا في نفوسهم بينما يعودون الى منازلهم ليحاولوا ممارسة حياتهم كاباء طبيعيين وسط ضغوط نفسية هائلة لا تنتهي ابدا.
وبين المكفن عطية الدبور ان اصوات الضحايا وصرخات الفاقدين لا تزال تتردد في اذنيه كاشباح تطارده في كل مكان وتحول دون قدرته على نسيان مشاهد المجاعة والدمار التي شهدها خلال فترات الصراع الطويلة.
الاطباء وذاكرة الالم
واوضح رئيس قسم الطوارئ الدكتور معتز حرارة ان الاطباء عاشوا صراعا مريرا بين واجبهم المهني وانعدام الامكانيات التي تمنعهم من انقاذ المصابين مما جعلهم يشعرون بالعجز امام حالات تتطلب تدخلا جراحيا عاجلا لا يتوفر له بديل.
وذكر الطبيب ان قصة ولادة جنين من رحم ام شهيدة كانت من اقسى اللحظات التي واجهها حيث فقد الجنين حياته لغياب الحضانات مؤكدا ان ذاكرته لا تزال تحتفظ بكل تلك الصور المؤلمة التي تلاحقه في صحوه.
وشدد حرارة على ان الاطباء يقاومون التبلد العاطفي من خلال تذكير انفسهم بضرورة معاملة كل مريض كأحد افراد عائلتهم لضمان الحفاظ على الجانب الانساني في مهنة الطب وسط بيئة عمل تفتقر لابسط مقومات الحياة.
رائحة الدم والبارود
وكشفت الممرضة شروق الرنتيسي ان الموت في غزة ليس مجرد مشهد بل هو رائحة نفاذة للدم الممزوج بالبارود واللحم المتحلل تلاحق الجميع وتذكرهم بزملاء ومرضى فقدوهم في لحظات عصيبة خلال حصار المشافي ونقص الاوكسجين.
واضافت شروق انها عاشت صراعا بين الضعف البشري والواجب المهني اذ كانت ترى زملاءها يقتلون اثناء محاولتهم تقديم المساعدة للاخرين مما جعل من كل يوم في المشفى رحلة جديدة من الالم والبحث عن بصيص من الامل.
واكدت ان المشاهد التي عايشتها كانت كفيلة بانهيار اي انسان في ظروف طبيعية لكن صمود الطواقم الطبية كان نابعا من ايمانهم بقدسية العمل الذي يقومون به لخدمة الجرحى والمصابين حتى في احلك الظروف.
تجاوز الصدمات النفسية
واوضح الاختصاصي النفسي سعيد الكحلوت ان الانسان لا يعتاد الموت بل يتعلم كيف يمر بجانبه ليستمر في العيش مؤكدا ان الغزيين يمتلكون قدرة مذهلة على بناء المعنى واعادة ترتيب حياتهم رغم كل ما مروا به.
وبين الكحلوت ان التعافي لا يعني النسيان بل يعني وضع الذكريات في مكانها الصحيح داخل الماضي لكي لا تسيطر على الحاضر مشيرا الى ان الحرب ستصبح في نهاية المطاف فصلا في قصة طويلة وليست كل القصة.
واشار الى ان النفس البشرية تضيق مساحة الالم احيانا ليس قسوة بل لكي تبقى قادرة على اداء وظائف الحياة الاساسية مؤكدا ان الغزيين قادرون على استعادة توازنهم النفسي تدريجيا مع مرور الوقت وهدوء الاحداث.
