كشف استشاري تشخيص الأمراض النسيجية والسريرية الدكتور حسام ابو فرسخ، تفاصيل حالة طبية معقدة لمريض في اوائل الخمسينيات من عمره، ومدخن بشراهة، عانى من ضعف تدريجي في ساقه اليمنى ترافق مع ضمور واضح في عضلات الفخذ، قبل ان تكشف الفحوصات المتخصصة السبب الحقيقي للحالة بعد نحو 3 اشهر من التنقل بين تشخيصات وعلاجات مختلفة.
وتشير تفاصيل الحالة الى ان الاعراض في بدايتها بدت متشابكة، الامر الذي جعل تفسيرها الطبي اكثر تعقيدا، حيث جرى التعامل معها في البداية على اساس وجود مشكلة في العمود الفقري، قبل الانتقال الى احتمالات اخرى شملت امراضا مناعية وعضلية، بينما استمرت معاناة المريض دون تحسن واضح.
3 اشهر من التشخيصات المختلفة قبل الوصول الى السبب
وبحسب الدكتور ابو فرسخ، كان التشخيص الاول الذي وضع للمريض هو وجود ديسك بين الفقرتين القطنيتين الرابعة والخامسة، باعتبار ان ضعف الساق والاعراض المصاحبة قد تكون مرتبطة بمشكلة في العمود الفقري.
ومع استمرار الاعراض، انتقل التشخيص الى احتمال وجود التهاب مناعي، حيث تلقى المريض علاجا بالكورتيزون، الا ان حالته لم تشهد التحسن المتوقع.
وبعد ذلك، جرى التعامل مع الحالة باعتبارها مرضا مناعيا يحتاج الى تدخل علاجي مختلف، فخضع المريض لعدة جلسات لتبديل بلازما الدم، فيما استمرت مشكلة الضعف والضمور العضلي دون الوصول الى تفسير واضح للحالة.
ولم تتوقف المسارات التشخيصية عند ذلك، اذ جرى اعتبار الالام التي يعاني منها المريض ذات طبيعة عضلية، وخضع على هذا الاساس للعلاج بالابر الصينية، الا ان استمرار الاعراض وعدم حدوث تحسن ملموس دفع احد الاطباء في النهاية الى تغيير مسار البحث عن السبب.
وجاءت الخطوة الحاسمة بطلب صورة رنين مغناطيسي للفخذ بشكل مباشر، بدلا من التركيز فقط على الظهر او الاعصاب او العضلات، لتظهر الصورة وجود كتلة ورمية في عظم الفخذ الايمن.
الخزعة تكشف اصل الورم وتغير مسار العلاج
وبعد اكتشاف الكتلة، جرى تحويل المريض الى المركز الذي يعمل فيه الدكتور حسام ابو فرسخ، حيث تم سحب عينات دقيقة من الكتلة تحت توجيه السونار، مع اجراء الفحوص النسيجية والمناعية اللازمة للوصول الى تشخيص دقيق.
واظهر الفحص المجهري ان الورم الموجود في عظم الفخذ لم يكن ورما اوليا في العظم، وانما ناتج عن انتشار ثانوي لورم اولي موجود في الرئة.
وبناء على نتيجة الخزعة والتقرير النسيجي، تم توجيه مسار الاستقصاء نحو الصدر، واجريت للمريض صورة اشعة مقطعية للصدر، والتي اظهرت بالفعل وجود ورم رئيسي في الرئة.
وبذلك انتقل المريض اخيرا من سلسلة من التشخيصات والعلاجات المختلفة الى تشخيص واضح مكّن الاطباء من وضع خطة علاج مناسبة للحالة، بعد فترة طويلة من المعاناة والتكاليف الطبية الناتجة عن المسارات التشخيصية السابقة.
واوضح الدكتور ابو فرسخ ان تشابه الاعراض العصبية والعضلية مع الالام الناتجة عن مشكلات العظام يمكن ان يجعل بعض الحالات الطبية شديدة التعقيد، خصوصا عندما تظهر الاعراض في صورة ضعف او ضمور عضلي يمكن تفسيره باكثر من سبب.
واكد ان الاجتهاد في الممارسة الطبية امر وارد، لكن وجود ضعف او ضمور عضلي غير مفسر، خصوصا عندما لا يستجيب للعلاج، يستدعي اعادة تقييم الحالة وعدم الاكتفاء بالتشخيص الاول.
وتبرز هذه الحالة اهمية توجيه الفحوص الاشعاعية الى موضع الشكوى نفسه عندما لا يتوافق تطور الاعراض مع التشخيص المطروح، الى جانب اهمية الخزعة النسيجية الدقيقة في الحالات التي يظهر فيها وجود كتلة او ورم، باعتبارها من الوسائل التي تساعد على تحديد طبيعة الورم ومصدره وتوجيه الخطة العلاجية بصورة ادق.
وتشير تفاصيل الحالة في النهاية الى درس طبي مهم، وهو ان استمرار الاعراض دون تفسير مقنع او دون استجابة للعلاج يستدعي العودة الى نقطة البداية واعادة النظر في الاحتمالات التشخيصية، خصوصا عند وجود علامات غير مفسرة مثل الضمور العضلي او الضعف التدريجي، للوصول الى السبب الحقيقي باقصر وقت ممكن وتقليل معاناة المريض وتكاليف رحلة العلاج.

