في كثير من الأحيان، لا تبدأ المآسي بخسارة المال، ولا تنتهي عند خلاف على ميراث، بل تبدأ عندما يشعر الإنسان أن سنوات عمره التي أفناها في خدمة أقرب الناس إليه أصبحت محل نزاع، وأن ما قدمه من تضحيات لم يعد يُذكر إلا بالنسيان.
هذه رواية يرويها أحد أبناء الأسرة، ويقول إنها تختصر أكثر من أربعة عقود من العمل والتعب والوفاء.
يقول إنه بدأ رحلة الكفاح وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، حين قرر أن يقف إلى جانب والده في المكتب الذي كان يمثل مصدر رزق العائلة. بينما كان أقرانه يعيشون طفولتهم، كان يحمل مسؤوليات رجل أكبر من سنه، مؤمنًا بأن راحة والده تستحق أن يضحي من أجلها بكل شيء.
اقرأ أيضا :
مرت السنوات، ونجح في الثانوية العامة – الفرع العلمي – وحصل على قبول لدراسة الرياضيات في إحدى الجامعات المرموقة في الهند، في وقت كان السفر للدراسة حلمًا لا يناله إلا القليل. لكنه، بحسب روايته، رفض السفر، واختار البقاء إلى جانب والده، معتبرًا أن الوقوف معه أهم من أي شهادة أو منصب.
ومع مرور الوقت، أصبح يتحمل العبء الأكبر في إدارة المكتب، حتى بات والده يغادر العمل باكرًا مطمئنًا، بينما يواصل الابن إدارة العمل لساعات طويلة، ساعيًا إلى تطويره والحفاظ على سمعته.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء...
رحل الأب، تاركًا خلفه أسرة كبيرة، ويقول الابن إن والده لم يترك سوى مبلغ بسيط لا يتجاوز مئتي دينار، بينما كانت المسؤوليات كبيرة ومتراكمة.
ويؤكد أنه تكفل وحده بمصاريف بيت العزاء، التي بلغت نحو تسعة آلاف دينار أردني، دون مشاركة من بقية إخوته، لأنه رأى أن تكريم والده واجب لا يقبل التأجيل أو المساومة.
ومنذ ذلك اليوم، يروي أنه قرر منح والدته راتبًا شهريًا مقداره 600 دينار، واستمر على ذلك سنوات طويلة، حتى بلغ مجموع ما دفعه لها، بحسب قوله، نحو 142 ألف دينار أردني.
وخلال تلك السنوات، لم يقتصر عطاؤه على الراتب الشهري، بل يقول إنه تكفل بمصاريف المنزل كاملة، وسدد فواتير المياه التي تجاوز مجموعها ثمانين ألف دينار، إلى جانب الكهرباء والضرائب، وتحمل نفقات الصيانة والترميم، وأنفق مبالغ كبيرة للمحافظة على منزل العائلة.
كما يؤكد أنه ساهم في تعليم إخوته الجامعي، وسدد عن بعضهم اشتراكات الضمان الاجتماعي حتى أصبح لهم مصدر دخل، وكان يساعدهم في أعمالهم ومعاملاتهم، ويتيح لهم استخدام سيارات المكتب دون أن يطلب منهم أي مقابل، معتبرًا أن الأسرة لا تُقاس بالحسابات المالية.
ويضيف أنه حتى خلال جائحة كورونا، وفي الوقت الذي توقفت فيه أعمال كثيرة، واصل دفع رواتب الموظفين من مدخراته الخاصة حتى لا تنقطع أرزاقهم.
ويقول إن كل ما كان يفعله كان بدافع الوفاء لوالده، وإيمانًا بأن نجاح الأسرة مسؤولية مشتركة.
غير أن الخلافات، بحسب روايته، بدأت تتصاعد بعد وفاة الوالدة، خصوصًا فيما يتعلق بالميراث وإدارة ممتلكات الأسرة.
ويرى أن حقوقه لم تُنصف، وأن كثيرًا من مقتنيات المنزل ذهبت دون اتفاق يرضي جميع الورثة، كما يقول إنه تعرض لحملات إساءة وتشويه أمام الناس، وأن سنوات عطائه أصبحت موضع تشكيك بدل أن تكون محل تقدير.
ويؤكد أن أكثر ما يؤلمه ليس المال، وإنما الشعور بأن كل ما قدمه لم يشفع له أمام من عاشرهم العمر كله.
ويختم روايته بالقول إن الإنسان قد يخسر أموالًا ويعوضها، وقد يتعب سنوات ثم ينهض من جديد، لكن أصعب ما يمكن أن يواجهه هو أن يصبح الوفاء تهمة، وأن يتحول تاريخ طويل من التضحية إلى مادة للخلاف والاتهامات.
ويبقى الفصل الأخير من مثل هذه القصص مرهونًا بالحوار والعدالة، فالنزاعات الأسرية، مهما اشتدت، تظل من أكثر القضايا ألمًا، لأنها لا تترك جرحًا في المال فحسب، بل في القلوب أيضًا.
