لم يعد الامر مجرد تمثيل مشرف أو مشاركة خجولة تبحث عن تعادل انتزعه الحظ في اللحظات الاخيرة، بل نحن أمام زحف كروي مقدس يقوده ثمانية فرسان قرروا اعادة رسم خارطة النفوذ الرياضي على أراضي أمريكا الشمالية. في نسخة مونديالية استثنائية تشهد مشاركة 48 منتخبا، فرضت كرة القدم العربية سطوتها لتنتزع ثماني بطاقات كاملة في سابقة هي الاولى من نوعها عبر التاريخ. من زئير أسود الاطلس الذي لا يزال صداه يتردد في دهاليز مونديال قطر، إلى الحضور التاريخي الاول لمنتخب النشامى الاردني، يبدو أن صيف عام 2026 لن يكون لاهبا بحرارته فحسب، بل بجنون الساحرة المستديرة التي تنطق بلسان الضاد في ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
الخارطة العامة للمجموعات: صدامات حارقة واختبارات حقيقية
جاءت القرعة المونديالية لتضع المنتخبات العربية في مواقف تتباين بين الصعوبة البالغة والمواجهات المباشرة التي تضمن تصفية عربية حتمية في دور المجموعات.
توزيع المجموعات يوضح حجم التحدي الذي ينتظر المنتخبات الثمانية:
| المنتخب | المجموعة | أبرز المنافسين في المجموعة | ملعب المباراة الافتتاحية |
|---|---|---|---|
| الاردن | المجموعة العاشرة (J) | الارجنتين، النمسا، الجزائر | سان فرانسيسكو |
| الجزائر | المجموعة العاشرة (J) | الارجنتين، النمسا، الاردن | كانساس سيتي |
| المغرب | المجموعة الثالثة (C) | البرازيل، اسكتلندا، هايتي | نيويورك / نيو جيرسي |
| مصر | المجموعة السابعة (G) | بلجيكا، نيوزيلندا، إيران | سياتل |
| السعودية | المجموعة الثامنة (H) | أوروغواي، إسبانيا، الرأس الاخضر | ميامي |
| العراق | المجموعة التاسعة (I) | فرنسا، النرويج، السنغال | بوسطن |
| تونس | المجموعة السادسة (F) | السويد، اليابان، هولندا | مونتيري (المكسيك) |
| قطر | المجموعة الثانية (B) | سويسرا، كندا، البوسنة والهرسك | سان فرانسيسكو |
ديربي العرب في المجموعة العاشرة: صراع النشامى ومحاربي الصحراء
تتجه الانظار كلها نحو المجموعة العاشرة التي تضم منتخبين عربيين في مواجهة مباشرة ستكون حديث الشارع الرياضي من المحيط إلى الخليج.
منتخب الاردن: النشامى في خطوتهم التاريخية الاولى
يدخل المنتخب الاردني غمار هذه البطولة مدفوعا بطفرة كروية غير مسبوقة، بدأت معالمها تتضح منذ الوصافة التاريخية في كأس آسيا، وتوجت بإنهاء التصفيات في صدارة مجموعتها ثم انتزاع بطاقة التأهل المباشر بـ 16 نقطة. تحت قيادة فنية مغربية بقيادة جمال سلامي، لا يبحث الاردن عن مجرد ظهور شرفي.
يعتمد الاسلوب الاردني على التنظيم الدفاعي الحديدي والارتداد الهجومي الساحق السريع، مستغلين الجودة الفردية الفائقة لنجوم الخط الامامي. القوة الضاربة للنشامى تتركز في تحركات علي علوان الذي سجل 9 أهداف كاملة في رحلة التصفيات، بجانب الموهبة الفذة لموسى التعمري الذي يمتلك القدرة على تفكيك أعتى الدفاعات بمهارته الفردية وسرعته الفائقة، دون نسيان الحضور القوي للمهاجم يزن النعيمات. المواجهة الافتتاحية للاردن أمام النمسا في 16 يونيو ستكون المفتاح الحقيقي لتحديد مسار هذا المنتخب الطموح.
منتخب الجزائر: محاربو الصحراء يبحثون عن كبرياء 2014
على الجانب الآخر من المجموعة نفسها، يعود منتخب الجزائر إلى المحفل العالمي للمرة الخامسة في تاريخه، حاملا معه ذكريات جيل 2014 الذهبي الذي أحرج ألمانيا في البرازيل. المدرب فلاديمير بيتكوفيتش يمتلك كتيبة مدججة بالخبرة الاوروبية والشباب الحركي.
الجزائر تعتمد على عمق تشكيلتها ووفرة الحلول في خط الوسط والهجوم؛ بتواجد المخضرم رياض محرز الذي يمنح الفريق الاتزان والخبرة في المواعيد الكبرى، بجانب الاسماء الرنانة مثل أمين غويري، حسام عوار، ومحمد أمورة. المواجهة العربية الخالصة بين الاردن والجزائر والمقررة في 22 يونيو على أرضية ملعب سان فرانسيسكو، لن تكون مجرد مباراة بثلاث نقاط، بل ستكون معركة تكتيكية طاحنة لفرض الهيمنة وتأمين بطاقة العبور، خصوصا وأن المجموعة تضم الارجنتين المرعبة بقيادة ليو ميسي.
أسود الاطلس وفراعنة النيل: طموح المربع الذهبي وحلم الانتصار الاول
لم تعد الضغوط عادية على كاهل منتخب المغرب؛ فبعد الانجاز التاريخي والاعجازي في قطر 2022 باحتلال المركز الرابع عالميا، أصبح سقف الطموحات في عنان السماء. يقود السفينة المغربية حاليا المدرب محمد وهبي الذي تسلم المهمة خلفا لوليد الركراكي، ومعه تقع المسؤولية على عاتق جيل استثنائي يلعب في صفوة الاندية الاوروبية.
الاسلوب المغربي ينضح بالتوازن التكتيكي الصارم، والقدرة على التحكم في ريتم المباريات بفضل خط وسط يعد من الاقوى عالميا. الاسماء تتحدث عن نفسها: أشرف حكيمي القائد الملهم وظهير باريس سان جيرمان، براهيم دياز نجم ريال مدريد الذي يمنح الحلول العبقرية في صناعة اللعب، والحارس الامين ياسين بونو. المغرب سيصطدم في ليلة 13 يونيو بالمنتخب البرازيلي في قمة مبكرة ستحدد شكل المنافسة في المجموعة الثالثة، حيث يسعى الاسود لإثبات أن ما حدث في قطر لم يكن ضربة حظ، بل كانت البداية الحقيقية لسطوع نجم الكرة المغربية.
منتخب مصر: الفراعنة وفك عقدة المونديال المستعصية
يدخل منتخب مصر البطولة للمرة الرابعة في تاريخه وهو يحمل هدفا رئيسا واحدا: تحقيق الانتصار الاول له في تاريخ بطولات كأس العالم، وهو الامر الذي عجز عنه الفراعنة على مدار قرن من الزمان. تحت القيادة الفنية للأسطورة الحية حسام حسن، يتسلح المنتخب المصري بروح قتالية عالية وتنظيم يعتمد على الكثافة العددية والتحول السريع نحو النجم العالمي محمد صلاح.
صلاح، الذي يرى في هذه البطولة فرصته الاخيرة لكتابة مجد مونديالي يليق بمسيرته الاسطورية، لن يكون وحده؛ فالمنتخب المصري يمتلك خط هجوم فتاك بوجود عمر مرموش الذي يعيش أزهى فترات مسيرته الاحترافية في أوروبا. مواجهة بلجيكا الافتتاحية في 15 يونيو بسياتل ستكون اختبارا قاسيا للدفاع المصري، لكن الآمال معقودة على تخطي عقبة نيوزيلندا وإيران لانتزاع بطاقة الدور الثاني وتجاوز اللعنة التاريخية.
عرب آسيا: اختبارات الوزن الثقيل في مواجهة عمالقة العالم
منتخب السعودية: جيل النضج الكروي يبحث عن أمجاد 1994
المنتخب السعودي يصل إلى مونديال 2026 وهو يمتلك ميزة فريدة لا تتوفر للكثيرين: دوري محلي بات محط أنظار العالم، ولاعبون محليون يحتكون يوميا بصفوة نجوم العالم في الملاعب السعودية. الصقور الخضر الذين تأهلوا للمرة السابعة في تاريخهم يسعون لتكرار انجاز جيل سعيد العويران في مونديال أمريكا 1994 بالوصول إلى دور الستة عشر.
المنتخب السعودي، بقيادة نجمه الملهم سالم الدوسري، يتميز بالسرعة والقدرة على التكيف مع المدارس الكروية المختلفة. لكن القرعة لم تكن رحيمة بالخضر؛ إذ يتواجدون في المجموعة الثامنة الصعبة للغاية برفقة إسبانيا وأوروغواي والرأس الاخضر. البداية ستكون في ميامي يوم 15 يونيو أمام أوروغواي الشرسة، وهي مواجهة تتطلب انضباطا تكتيكيا عالي المستوى من أجل الخروج بنتيجة إيجابية تسهل المهمة قبل الاصطدام بالـ "ماتادور" الإسباني.
منتخب قطر: العنابي ومحو خيبة أمل المونديال السابق
بعد ظهور باهت ومخيب للآمال في نسخة 2022 كبلد مستضيف، يعود منتخب قطر إلى المونديال للمرة الثانية، ولكن هذه المرة من الباب الكبير وعبر بوابات التصفيات الشاقة. العنابي يدخل البطولة بصفته بطلا لآسيا في نسختين متتاليتين، وهو ما يمنحه ثقة بالغة في النفس تحت قيادة المدرب الإسباني المحنك جولين لوبيتيغي.
طريقة اللعب القطرية نضجت كثيرا، حيث يعتمد الفريق على التفاهم الاسطوري بين الثنائي المرعب أكرم عفيف والمعز علي. لوبيتيغي أضاف الصبغة الاوروبية والواقعية الدفاعية على الاداء القطري. يتواجد العنابي في المجموعة الثانية رفقة كندا المستضيفة، سويسرا، والبوسنة والهرسك. المباراة الاولى أمام سويسرا في 13 يونيو ستكون معيارا حقيقيا لمدى قدرة قطر على مجاراة المنتخبات الاوروبية المنظمة.
منتخب العراق: أسود الرافدين والعودة بعد أربعين عاما
بعد غياب دام 40 عاما منذ مشاركتهم الوحيدة في مونديال المكسيك 1986، يعود أسود الرافدين إلى الواجهة العالمية من جديد ليثبتوا أن الكرة العراقية ولادة رغم كل الظروف الصعبة. الاتحاد العراقي وضع ثقته في المدرب الايرلندي الخبير غراهام أرنولد لقيادة الفريق في هذه الملحمة.
يعتمد العراق على البدنية العالية والاندفاع الهجومي الجريء، معتمدين على المهاجم الفتاك أيمن حسين الذي يعد المحطة الهجومية الرئيسة للفريق، بجانب تحركات علي الحمادي وأمير العماري. المجموعة التاسعة التي تضم العراق صعبة للغاية بوجود فرنسا (وصيف النسخة الماضية)، النرويج بقيادة هالاند، والسنغال. مواجهة النرويج الافتتاحية في 16 يونيو ببوسطن ستكون معركة بدنية من الطراز الرفيع، يطمح فيها الاسود لتسجيل نقطة انطلاق تاريخية.
نسور قرطاج: كسر عقدة الدور الاول في الملاعب المكسيكية
منتخب تونس: الانضباط التكتيكي في مواجهة المدرسة الاسكندنافية والآسيوية
يشارك منتخب تونس للمرة السابعة في تاريخه، حاملا معه ذات الطموح الازلي الذي استعصى على كل الاجيال السابقة: عبور دور المجموعات والوصول إلى ثمن النهائي. نسور قرطاج، تحت قيادة المدرب صبري لموشي، يدخلون المونديال بروح جماعية وتنظيم دفاعي صارم يعتمد على إغلاق المساحات والاعتماد على الكرات الثابتة والمرتدات.
التشكيلة التونسية تفتقد للمهاجم الهداف فائق الجودة، لكنها تعوض ذلك بالكتلة الدفاعية الصلبة والخبرة الكبيرة لأسماء مثل سيف الدين الجزيري، نعيم السليتي، ومحمد بن علي. تونس تلعب في المجموعة السادسة وتخوض مبارياتها على الاراضي المكسيكية في استاد مونتيري، حيث تفتتح مشوارها بمواجهة السويد في 14 يونيو، تليها مواجهة تكتيكية مع اليابان، قبل الاصطدام بالطواحين الهولندية. المهمة تبدو معقدة جدا، لكن الواقعية التونسية دائما ما تصنع المفاجآت أمام الكبار.
مقارنة تحليلية: من يمتلك المفتاح الذهبي للعبور؟
القيمة السوقية والخبرة الدولية
إذا ما عقدنا مقارنة رقمية بين هذه المنتخبات الثمانية، نجد أن كفة منتخب المغرب هي الارجح من حيث القيمة السوقية الاجمالية للاعبين والخبرة في الملاعب الاوروبية الكبرى، يليه مباشرة المنتخب الجزائري ثم المصري. في المقابل، تمتلك منتخبات السعودية وقطر والاردن ميزة الانسجام العالي جدا بين عناصرها نظرا لأن الهيكل الرئيس لهذه الفرق يلعب سويا لفترات طويلة سواء في الدوريات المحلية أو في البطولات الاقليمية مثل كأس العرب.
المعارك التكتيكية المتوقعة
الاندفاع البدني مقابل المهارة: منتخبات مثل العراق وتونس ستعتمد بشكل كامل على القوة البدنية والالتحام لتعويض الفوارق الفنية أمام منتخبات مثل فرنسا والسويد.
السرعة والارتداد: الاردن ومصر يمتلكان أسلحة متشابهة؛ فالاعتماد على سرعات التعمري وعلوان في الاردن يشابه تماما الاعتماد على صلاح ومرموش في مصر، وهي استراتيجية أثبتت نجاحها أمام الفرق الكبرى التي تترك مساحات في الخلف.
الاستحواذ والتمرير القصير: السعودية وقطر ستحاولان فرض أسلوب اللعب المنظم وتدوير الكرة في منتصف الملعب، وهي طريقتة تنطوي على مخاطرة كبيرة أمام فرق تمارس الضغط العالي مثل إسبانيا وسويسرا.
إن الحضور العربي بثمانية منتخبات في مونديال 2026 ليس مجرد طفرة عددية فرضتها زيادة مقاعد البطولة، بل هو نتاج طبيعي لتطور تكتيكي واستثماري ضخم شهدته كرة القدم في المنطقة العربية على مدار السنوات الخمس الاخيرة. الفرصة الآن مواتية لجميع هؤلاء الفرسان لكتابة فصول جديدة من المجد. المنتخبات العربية لم تعد تلك التي تخشى الهزائم الثقيلة، بل أصبحت هي من تفرض شروطها وتدخل الملاعب وعينها على النقاط الثلاث. التاريخ يفتح أبوابه في أمريكا الشمالية، والكرة الآن في أقدام اللاعبين ليثبتوا للعالم أجمع أن السطوة الكروية لم تعد حكرا على أحد.
