داود حميدان – أكد العقيد المتقاعد الحقوقي أ. فهد موفق النعيمي، المتخصص في إدارة الأزمات، أن إدارة الأزمات في العصر الحديث لم تعد خيارًا إداريًا ثانويًا، بل أصبحت عنصرًا حاسمًا في استقرار المؤسسات واستمرارية عملها، مشيرًا إلى أن التعامل مع الأزمة يتراوح بين منهجين رئيسيين: ترحيل الأزمة وتأجيل معالجتها، أو مواجهتها بحل فوري قائم على التخطيط والاحتراف.
وقال النعيمي لصوت عمان، إن الأزمات اليوم لم تعد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت جزءًا من البيئة التشغيلية اليومية للدول والمؤسسات، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في أساليب التعامل معها بشكل أكثر واقعية وفعالية.
ترحيل الأزمات… هدوء مؤقت وكلفة مستقبلية
وأضاف النعيمي أن ترحيل الأزمة يعني تأجيل اتخاذ القرار أو الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تعالج جذور المشكلة، وهو أسلوب قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالاستقرار، لكنه في الواقع يؤدي إلى تضخم المشكلة وتعقيدها لاحقًا.
وبيّن أن هناك عدة أسباب تدفع بعض المؤسسات لترحيل الأزمات، أبرزها الخوف من اتخاذ القرار، وغياب المعلومات الدقيقة، وضعف التنسيق بين الجهات، إضافة إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الأزمة ستنتهي تلقائيًا دون تدخل مباشر.
وأوضح أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، من بينها ارتفاع الكلف المالية الناتجة عن التأخير، وتآكل الثقة المؤسسية، وتحول الأزمة البسيطة إلى أزمات مركبة يصعب السيطرة عليها، فضلًا عن الضغوط النفسية والتنظيمية التي تنتج عن تراكم الملفات غير المحسومة، وصولًا إلى احتمالات المساءلة القانونية في بعض القطاعات الحساسة.
ثقافة الحل الفوري وإدارة الأزمة بفعالية
في المقابل، أشار النعيمي إلى أن الإدارة الحديثة للأزمات تقوم على ثقافة الخطط المسبقة والحل الفوري المدروس، وليس التسرع، موضحًا أن الحل الفوري يعني التحرك وفق خطة واضحة تستند إلى تحليل علمي للأسباب الجذرية، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، مع تعزيز التواصل الشفاف بين جميع الأطراف المعنية.
وأكد أن من أبرز مبادئ إدارة الأزمات الناجحة: سرعة الاستجابة، ودقة التحليل، وحسن اتخاذ القرار، وتحويل الأزمة إلى فرصة للتطوير وتحسين الأداء المؤسسي.
وأضاف أن التجارب العملية أثبتت أن سرعة التنسيق بين الجهات المختلفة تلعب دورًا محوريًا في احتواء الأزمات قبل تفاقمها، مشيرًا إلى أن الإدارة الاستباقية تدرك أن كل أزمة غير معالجة هي أزمة مؤجلة ومضاعفة في المستقبل.
لماذا يجب حل الأزمات فورًا؟
وتابع النعيمي موضحًا أن معالجة الأزمات بشكل فوري تساهم في الحفاظ على السمعة المؤسسية، وتقليل الخسائر المالية، ومنع انتقال الأزمة إلى أطراف أخرى، إضافة إلى حماية الأرواح في القطاعات الحساسة، وتعزيز الثقة بين المؤسسة والمجتمع.
وبيّن أن قوة المؤسسات لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات فقط ، بل بقدرتها على احتوائها وإدارتها بفعالية وتحويلها إلى نقطة تحول إيجابية.
الحسم الواعي أساس الاستقرار المؤسسي
واختتم النعيمي حديثه بالتأكيد على أن الفرق بين مؤسسة تنهض من أزمتها وأخرى تتراجع لا يكمن في حجم الأزمة، بل في طريقة التعامل معها، موضحًا أن ترحيل الأزمات قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه يخلق اضطرابًا مستقبليًا أكبر.
وأشار إلى أن إدارة الأزمات ليست مجرد إجراءات وقتية، بل ثقافة مؤسسية تقوم على الجرأة في اتخاذ القرار، والوضوح في الرؤية، والمسؤولية في التنفيذ، مؤكدًا أن الحسم الواعي في الوقت المناسب أصبح ضرورة استراتيجية لا يمكن تأجيلها في عالم سريع التغير.
