في ظل تعثر التوافق على القوانين الانتخابية، يواجه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» الليبيين ضغوطا متزايدة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، حسب مراقبين، وهو ما أعاد إلى الواجهة سيناريو عقد لقاء مباشر بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، في بلد يعاني انقساما مزمنا منذ انهيار نظام معمر القذافي.
وحسب محللين، تبدو فرص عقد لقاء بين رئيسي المجلسين أقرب إلى «ورقة ضغط سياسية» تتفاعل مع الضغوط الدولية المتصاعدة، أكثر من كونها «مسارا حاسما» في ظل تضارب المسارات السياسية الجارية وتعدد المبادرات الدولية والطاولات الحوارية، وهي أيضا رؤية الباحث الليبي خالد الشارف، الذي اعتبر أن هذا التداخل يجعل فرص عقد اللقاء «ممكنة شكليا لكنها ضعيفة عمليا»، وأوضح أن جدواه تظل مرهونة بوجود آلية تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة، وإلا فإنه سيظل مجرد إعادة إنتاج للأزمة دون تغيير فعلي في بنية الانقسام القائم.
ووسط غياب أي إعلان رسمي عن لقاء بين رئيسي المجلسين، لا ينقطع حديث أوساط سياسية ليبية وتقارير محلية عن تبادل رسائل ومقترحات تمهد لعقد لقاء بين تكالة وصالح، مع طرح عواصم ومدن مثل القاهرة وأنقرة وبوزنيقة بوصفها محطات محتملة، دون أن يرتقي ذلك حتى الآن إلى مسار رسمي واضح، وهو حديث متداول أكده أيضا عضو مجلس النواب فهمي التواتي.
تحركات دولية ومحلية لتجاوز الجمود السياسي
وسبق أن فشلت وساطة فرنسية في عقد اجتماع في باريس بين رئيسي مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في ديسمبر الماضي، للتوصل إلى حل بخصوص القوانين اللازمة لإجراء الانتخابات العامة المؤجلة.
غير أن الحديث عن اللقاء المحتمل عاد مجددا، توازيا مع تحرك جدي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتجاوز حالة الجمود بين المجلسين، عبر تشكيل «مجموعة سياسية مصغرة» تتولى معالجة أكثر القضايا الانتخابية تعقيدا تحت اسم «4+4»، وهو ما عده مراقبون رسالة دولية ضاغطة على المجلسين.
وبرز في هذا السياق ما عكسته إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، إلى جانب تصريحات نائبتها ستيفاني خوري، من قناعة متزايدة بأن مجلسي «النواب» و«الدولة» لم يحرزا التقدم المطلوب ضمن خريطة الطريق.
مبادرات متضاربة ومقترحات مثيرة للجدل
ويشمل ذلك تعثر التوافق على تشكيل مفوضية الانتخابات وعدم حسم التعديلات المرتبطة بالقوانين الانتخابية، وهما من الركائز الأساسية في خريطة الطريق التي أقرها مجلس الأمن في أغسطس الماضي.
وفي الخلفية، علا صخب حديث الإعلام منتصف الشهر الحالي عن سيناريوهات لقاء صالح وتكالة، على وقع مقترحات منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون الأفريقية مسعد بولس، بشأن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بدت من منظور بعض المراقبين أنها تحديا يواجه المجلسين ووجودهما في المشهد السياسي الليبي.
وقوبلت هذه المبادرة برفض من «المجلس الأعلى للدولة»، مع تأكيده على عدم الاعتداد بأي تسوية لا تمر عبره بتفويض رسمي، في حين لم يسجل اعتراض معلن من مجلس النواب.
مساعي الوساطة المحلية وملاحظات المفوضية العليا للانتخابات
ولم يعلق عضو مجلس النواب سعيد مغيب على ما يدور بشأن لقاء محتمل بين رئيسي المجلسين، لكنه اكتفى بالقول إن مبادرة بولس «لم تفشل أو على الأقل لم يعلن عن فشلها حتى الآن».
بالتوازي، برز مسار وساطة محلية بدأ في فبراير الماضي لتسهيل اللقاء بين رئيسي المجلسين، وركز على معالجة الخلافات المرتبطة بالقوانين الانتخابية ومخرجات «6+6»، وهي لجنة مشتركة بين مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» توصلت إلى إطار قانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية قبل ثلاث سنوات، لكنها واجهت بنودا خلافية مثل ازدواج الجنسية وترشح العسكريين حالت دون تنفيذ مخرجاتها على أرض الواقع.
ووفق عضو فريق الوساطة حسام فنيش، فقد تمكن الفريق من تحديد نقاط الخلاف وتهيئة بيئة تفاوضية أولية، مع تسجيل تجاوب مبدئي من تكالة في طرابلس، كما أشار إلى لقاء جرى مع صالح في مدينة القبة، عرضت خلاله ملاحظات تكالة، حيث أبدى رئيس مجلس النواب استعدادا للتعاون وقبول تعديلات محتملة من لجنة «6+6»، مع قبول مشروط للقاء تكالة بوجود اتفاق مبدئي يضمن جدية اللقاء ونتائجه.
وعاد فريق الوساطة المحلي إلى بنغازي لعرض نتائج تحركاته على تكالة، الذي أبدى انفتاحا على مخرجات الوساطة، خصوصا فيما يتعلق بإمكانية عقد لقاء بين رئيسي المجلسين، رغم بقاء المسار محدود التأثير وعدم تحوله بعد إلى إطار تفاوضي شامل.
يشار إلى أن المجلس الأعلى للدولة أعلن الأسبوع الماضي تشكيل «لجنة للتواصل» مع مجلس النواب وإحياء «اتفاق القاهرة»، في مقابل استمرار مجلس النواب في التزام الصمت دون موقف معلن.
من ناحية فنية، أعاد فريق الوساطة طرح ملاحظات «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» بشأن صعوبة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد، ووفقا لعضو لجنة الوساطة والرئيس الأسبق للمفوضية الدكتور عثمان القاجيجي، فإن التحديات السابقة كانت لوجستية وتنظيمية أكثر من كونها قانونية مستحيلة، مستشهدا بتجارب الانتخابات البلدية التي اعتمدت نظام تعدد صناديق الاقتراع داخل المركز الواحد، ما يجعل إجراء الاستحقاقين ممكنا من الناحية التقنية إذا توفرت الإرادة السياسية.
ويبدو أن جوهر الانسداد في المشهد الليبي لا يكمن في الجانب الفني الخاص بالعملية الانتخابية، حسب القاجيجي، الذي يرى أن «المشكلة في غياب التوافق السياسي»، مؤكدا أن أي تقدم في هذا الملف مرهون بوجود اتفاق على القواعد المنظمة للعملية الانتخابية.
