في زوايا هادئة من العاصمة، حيث لا تصل الكاميرات ولا الضجيج، تُجرى تجارب على اجساد بشرية مقابل بعض الدنانير، هذه القصة ليست افلاما خيالية، بل واقع يعيشه مئات الشباب يوميا في عمان.
بين باب مغلق وطابور طويل، يتحول الانسان من باحث عن فرصة الى "حالة اختبار"، يوقع على اوراق قد لا يدرك ابعادها كاملة، مقابل مبلغ قد ينتهي… لكن اثر التجربة قد يبقى معه سنوات.
الاخطر ليس فقط في الدواء الذي لم تكتمل نتائجه بعد، بل في الدافع الذي يدفع شابا بعمر العشرين او اقل للمخاطرة بجسده بهذه السهولة. حين تصبح الحاجة اقوى من الخوف، وحين يتحول الجسد الى وسيلة دخل، ندرك ان القضية لم تعد طبية فقط… بل جرس انذار لمجتمع كامل.
طوابير طويلة… وسباق قاسٍ على فرصة
شهادة شاب خاض التجربة للمرة الاولى في عمان، ترسم صورة مختلفة تماما عما يروج له. يقول إن مئات الاشخاص – قد يتجاوز عددهم 500 – يتجمعون منذ ساعات الفجر، بل إن بعضهم يبيت امام الابواب ليوم أو يومين، على أمل القبول في تجربة قد تمنحه ما بين 450 إلى 1000 دينار خلال اسبوع أو اسبوعين فقط.
المشهد، بحسب الشاهد، لا يقتصر على الانتظار، بل يمتد إلى حالة من التوتر والضغط النفسي، حيث يتحول الامر إلى "سباق" بين المحتاجين، في ظل بطالة تدفع كثيرين للمخاطرة بصحتهم مقابل المال.
اتهامات بسوء المعاملة
الشهادة تتحدث عن مواقف صادمة داخل أحد المراكز، من بينها جمع الهويات واختيار عدد محدود، ثم إعادة البقية بطريقة وصفت بأنها "مهينة"، حيث أُلقيت الهويات على الارض وطُلب من اصحابها البحث عنها.
كما أشار الراوي إلى حالة رجل مسن قضى يومين بانتظار دوره، قبل أن يتم رفضه، ما أدى إلى انهياره بالبكاء، في مشهد يعكس حجم الضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع الناس لهذه الخيارات.
ما الذي يحدث فعليا داخل هذه المراكز؟
من الناحية القانونية، تؤكد أن تخضع الدراسات السريرية لإجراءات من الجهات الرسمية، تشمل:موافقة مسبقة من الجهات الرقابية، وشرح كامل للمخاطر والمتطلبات للمشاركين، وتوقيع موافقة طوعية (Consent)، ومتابعة طبية دقيقة خلال فترة التجربة.
لكن ما تطرحه هذه الشهادات يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بهذه المعايير على أرض الواقع، خاصة في مرحلة استقطاب المشاركين.
اغراء المال مقابل المخاطرة
العامل الاكثر تأثيرا في هذه الظاهرة هو المقابل المالي. فبالنسبة لشباب تحت سن العشرين أو في بداية حياتهم العملية، قد يبدو مبلغ 500 دينار أو أكثر خلال ايام قليلة فرصة لا تعوض.
إلا أن مختصين يحذرون من أن بعض هذه الدراسات قد تحمل آثارا جانبية غير متوقعة، خصوصا في المراحل المبكرة لتجربة الادوية، حيث لا تكون النتائج مكتملة بعد.
ومن المهم التمييز بين أمرين، الأول: وجود مراكز مرخصة وملتزمة فعليا بالمعايير الطبية، والثاني: احتمال وجود تجاوزات فردية في طريقة التنظيم أو التعامل، فليس كل ما يروى يعكس الصورة الكاملة، لكنه في الوقت ذاته لا يمكن تجاهله، خاصة عندما تتكرر الشكاوى بنفس النمط.
مطالب بفتح تحقيق
هذه الروايات تعيد طرح تساؤلات مشروعة:هل هناك رقابة كافية على آلية استقبال المشاركين؟، وهل يتم ضمان كرامة الانسان خلال جميع مراحل التجربة؟، وهل يتم استغلال حاجة الشباب اقتصاديا؟.
خبراء يؤكدون أن أي خلل في هذه المنظومة، حتى لو كان اداريا، قد ينعكس سلبا على سمعة القطاع الطبي في الأردن، الذي يعد من القطاعات الحيوية في المنطقة.
وبعيدا عن الجدل، تبقى الحقيقة الاهم أن المشاركة في التجارب السريرية قرار حساس، يجب أن يبنى على وعي كامل، وليس فقط على الحاجة المادية.
فالمال قد يعوض… لكن الصحة لا تعوض بسهولة.
