العودة لنسخة الموبايل
النسخة الكاملة

في زمن الوفرة: كيف تشتت الخيارات سعادتنا؟

في زمن الوفرة: كيف تشتت الخيارات سعادتنا؟

في عالم اليوم، لم يعد "الاختيار" ترفا نادرا، فبعد ان كان المرء يشتري ما يجده في المتجر الوحيد القريب ويشاهد القناة التلفزيونية المتاحة، بتنا اليوم نعيش في "انفجار الخيارات"، فهناك الاف الافلام على منصات المشاهدة وملايين المنتجات على متاجر التسوق الالكترونية، وحياتنا تحولت الى شاشة عرض لا نهائية.

لكن المفارقة التي حيرت علماء النفس هي ان هذا التعدد لم يمنحنا حرية اكبر، بل اصابنا بـ "شلل القرار"، اذ اصبحنا نمتلك كل شيء ونعجز عن الاستمتاع باي شيء، ولم تعد المشكلة في نقص الامكانيات، بل في ان هذه الوفرة تسبب شللا خفيا في اتخاذ القرار وتقلل من رضانا عن اختياراتنا في النهاية.

واضاف علماء النفس اننا اصبحنا نمتلك كل شيء ونعجز عن الاستمتاع باي شيء، ولم تعد المشكلة في نقص الامكانيات، بل في ان هذه الوفرة تسبب شللا خفيا في اتخاذ القرار وتقلل من رضانا عن اختياراتنا في النهاية.

وهم الحرية المطلقة: لماذا تقل سعادتنا؟

لطالما همست لنا الثقافة الاستهلاكية بان "المزيد من الخيارات يعني مزيدا من الحرية"، لكن عالم النفس باري شوارتز، وفي حديثه الشهير على منصة المحاضرات العالمية "تيد" (TED) بعنوان "مفارقة الاختيار" ينسف هذه الفكرة، فهو يوضح ان وفرة الخيارات لا تحررنا، بل تصيبنا بالشلل بدلا من الراحة، فحين يكون امامك خياران تسهل المقارنة، اما امام مئة خيار فيبذل دماغك جهدا خرافيا للمفاضلة حتى ينتهي بك الامر الى العجز او الارهاق.

وتضيف مجلة "سيكولوجي توداي" (Psychology Today) زاوية اخرى، فكثرة الخيارات ترفع سقف توقعاتنا بشكل غير واقعي، فلا نبحث عن "الافضل" فقط، بل عن "المثالي" الخالي من العيوب، وبما ان الكمال غير موجود ينتهي الامر غالبا بخيبة امل وندم وسؤال مزعج لا يغادرنا: "ماذا لو كان الخيار الذي تركته افضل؟".

واكدت المجلة اننا اصبحنا نبحث عن المثالي الخالي من العيوب وبما ان الكمال غير موجود ينتهي الامر غالبا بخيبة امل وندم وسؤال مزعج لا يغادرنا: ماذا لو كان الخيار الذي تركته افضل؟.

الزيادة تتحول إلى استنزاف

في مقال لمجلة "ايدج اوف اويرنس" (Age of Awareness) على منصة "ميديم" (Medium)، يطرح سؤال بسيط وعميق: لماذا نفترض دائما ان "الاكثر" هو المرادف لـ "الافضل"؟.

وبين المقال ان هوسنا بالزيادة المستمرة، سواء في المقتنيات او الخيارات او حتى النمو الاقتصادي يتجاهل حقيقة اساسية وهي ان لكل نظام "سعة استيعاب" محددة.

واوضح المقال ان السعي خلف المزيد لا يستنزف موارد الكوكب فقط، بل يستنزف مواردنا النفسية ايضا، فعندما نتجاوز "نقطة الكفاية" تبدا الزيادة في التحول الى عبء، فكثرة الممتلكات تحتاج صيانة وكثرة الخيارات تحتاج طاقة ذهنية وكثرة الطموحات المشتتة تفتح الباب للاحتراق.

الجودة مقابل الكمية: الوفرة تخفي تكاليف

يشير مقال نشر في موقع "سي اند جوب" (Sea and Job) الى ان الوفرة المفرطة في الخيارات لا تشتت انتباهنا فحسب، بل تضعف جودة قراراتنا ومخرجاتنا، فحين نحاول "امتلاك كل شيء" او "فعل كل شيء" ينتهي بنا الامر الى تركيز ضحل ومشتت.

وبدلا من اتقان مهارة واحدة او الاستمتاع بمنتج واحد بعمق نجد انفسنا نقفز بين البدائل بسرعة البرق، فلا نترك اثرا حقيقيا ولا نشعر برضا كامل، هذا الهوس بالكم يجعلنا نشعر بالفراغ رغم وفرة ما نملك لان المتعة الحقيقية تحتاج الى "جودة" و "تركيز" وهما اول ضحايا عالم الوفرة المفرطة.

واكد المقال ان الهوس بالكم يجعلنا نشعر بالفراغ رغم وفرة ما نملك لان المتعة الحقيقية تحتاج الى "جودة" و "تركيز" وهما اول ضحايا عالم الوفرة المفرطة.

استراتيجية المرضي لا المثالي

في مقابلة على هيئة الاذاعة الكندية (CBC)، يشرح متخصصون نفسيون ان البشر امام الخيارات ينقسمون غالبا الى نوعين:

1- الباحث عن الافضل (Maximizer)

لا يستقر على قرار الا بعد استعراض كل بديل متاح تقريبا، فيقرا المراجعات ويقارن الاسعار لساعات، وقد يصل الى خيار "موضوعيا" افضل احيانا، لكنه نفسيا اقل سعادة لانه يبقى اسير الشك والندم، منشغلا بما فاته اكثر من انشغاله بما حصل عليه.

2- "القنوع" او "المرضي" (Satisficer)

يضع معايير واضحة وبسيطة وبمجرد ان يجد خيارا يلبيها يختاره ويتوقف عن البحث، ويدرك ان وقته وطاقته النفسية اثمن من تحسين النتيجة بنسبة 1%.

وختم المتخصصون النفسيون حديثهم بان تبني هذه العقلية يشكل طوق نجاة في عالم الوفرة، فالرضا لا ياتي من جودة الخيار وحدها، بل من قدرتنا على الاكتفاء وعلى ان نقول لانفسنا: "هذا جيد بما يكفي لحياتي الان".

كيف نستعيد السيطرة؟

الحل ليس في كره العالم الحديث او الهروب منه، بل في ممارسة واعية لما يمكن ان نسميه "فن التقليص الارادي"، فاذا كانت التكنولوجيا تفتح امامنا الاف الابواب فعلينا ان نتعلم كيف نغلق اغلبها حتى نتمكن من السير في طريق واحد بتركيز، وهذه بعض الاستراتيجيات العملية:

  • وضع "قيود صناعية":

حدد لنفسك وقتا قصيرا لاتخاذ القرارات الصغيرة كاختيار فيلم او شراء منتج بسيط ولا تسمح للخوارزميات بان تجرك لساعات من التصفح والمقارنة.

  • "قواعد دائمة" لتقليل عدد القرارات:

قلل عدد القرارات اليومية بوضع روتين ثابت قدر الامكان: نوع محدد من الملابس، متجر واحد تثق به، او قائمة طعام مفضلة، فالتبسيط هنا ليس ضعفا بل شكل عال من ضبط النفس.

  • تبني مبدا "جيد بما يكفي":

في القرارات غير المصيرية ابحث عن ما يلبي حاجتك لا عما يبهر العالم، وتذكر ان السعادة في كثير من الاحيان تاتي من "الاستغناء" لا من "التكديس".

  • اغلاق ملف البحث بعد القرار:

وبمجرد ان تختار او تشتري تعمد الى اغلاق الملف: لا تعد الى المراجعات ولا تقارن بسعر جديد، فاكتمال القرار جزء من راحة البال.

تعلّم "فن الترك" قبل فن الاختيار

الحرية الحقيقية اليوم ليست في القدرة على اختيار "اي شيء"، بل في الشجاعة لرفض "كل شيء" لا يخدم جوهر حياتك.

وحين تتعلم "فن التقليص" ستكتشف ان السعادة لا تكمن في طول قائمة الخيارات امامك، بل في عمق تجربتك مع خيار واحد اخترته بوعي وقررت ان يكون كافيا لك.

وختاما نحن لا نحتاج الى مزيد من الخيارات لنكون احرارا، بل الى مزيد من الحكمة لنعرف ماذا نترك خلفنا قبل ان نمد ايدينا لما هو امامنا.

بعد جدل "فنجان القهوة".. هل يعتبر وضع المكياج أثناء القيادة مخالفة في الأردن اصابة 12 شخصا اثر تدهور باص نقل واصطدامه بعمود انارة على طريق وادي العرب باربد "72 ساعة حاسمة".. ترامب يلمح لمفاوضات وشيكة مع طهران أمانة عمان: هدف كاميرات المخالفات حماية الارواح وليست للتضييق على المواطنين لكل التربويين والأهالي.. تعرفوا على ملامح المنصة التعليمية الجديدة في الأردن طلاب ام الخير بالخليل ينتفضون رفضا لاغلاق طريق مدرستهم للراغبين بالبيع.. ارتفاع كبير على أسعار الذهب في الأردن اليونسكو تتبنى قرارا بشأن الاوضاع المتدهورة في غزة هل يهدد الذكاء الاصطناعي وظائف مصممي المواقع؟ قلق يسيطر على 76% منهم من الملاعب الى العالمية.. الدويري يثمن "الدفعة المعنوية" التي قدمها الحسين بن عبدالله للكرة الاردنية ترامب يكشف: ايران تتراجع عن اعدام 8 نساء بعد تدخلي بروكسل تدعو لفتح ممر بحري لغزة ومقاطعة اسرائيل وداع مهيب في جرش.. مديرية الامن العام تشيع جثمان الشرطي لؤي الزعبي الى مثواه الاخير تنويه هام من ضريبة الدخل حول صرف الرديادت للمكلفين توقعات بارتفاع أسعار الغذاء في مصر بسبب تكاليف الزراعة تهدئة لبنان في خطر حراس المستقبل: كيف يحمي الذكاء الاصطناعي عالمنا الرقمي والمادي؟ اقمار الطوفان: القسام يكشف مشاهد بطولية لمقاتل في غزة الأحكام القطعية لا تعني النهاية.. متى تعود القضايا للحياة من جديد في الأردن؟