تجددت الشكوك حول فاعلية الاجراءات التي يتخذها مجلس الامن الدولي لمكافحة تهريب النفط الليبي، وذلك بعد قرار المجلس بتمديد القيود المفروضة حتى اغسطس 2027، وبالنظر الى استمرار هذه التدابير لاكثر من عقد دون تحقيق نتائج ملموسة.
وجاء القرار بناء على مقترح بريطاني صدر بالاجماع، ويقضي بتمديد التدابير التي بدات في 2014، ويعطي الدول الاعضاء صلاحيات لتفتيش السفن المشتبه بها في تصدير النفط بشكل غير قانوني، كما يسمح للجنة العقوبات بفرض اجراءات تشمل منع السفن من دخول الموانئ وحظر التعاملات المالية المتعلقة بها، مع اعادة الشحنات المصادرة الى ليبيا.
ورغم وضوح هذه الاجراءات، يرى سياسيون وخبراء ان استمرار عمليات التهريب، كما تؤكد ذلك التقارير الاممية المتتالية، يعكس وجود فجوة بين القوانين والواقع.
قيود صورية وتحديات التنفيذ
واعتبر وزير النفط الليبي السابق محمد عون ان التدابير الدولية غالبا ما تبدو شكلية، مستشهدا بحظر تصدير السلاح الى ليبيا المفروض منذ 2011، والذي تم تمديده عدة مرات دون ان ينجح في وقف تدفق الاسلحة.
واضاف عون ان محدودية الفاعلية تعود لتضارب مصالح القوى الدولية والاقليمية المتدخلة في الشان الليبي، وبين ان هذا يؤدي الى اضعاف تنفيذ القرارات الاممية، وابقائها في اطارها النظري.
وياتي هذا القرار في ظل جدل مستمر حول تهريب النفط في ليبيا، البلد الذي يعاني من انقسام عسكري وامني منذ اكثر من عقد، وزاد من حدة هذا الجدل تقرير لجنة الخبراء التابعة للامم المتحدة، والذي كشف عن اساليب معقدة لعمليات التهريب تتداخل فيها شبكات اقتصادية مع مجموعات مسلحة.
تورط شركات وشبكات مسلحة
وخص التقرير الاممي شركة اركنو الخاصة التي تاسست في 2023، ويعتقد انها كانت تحت سيطرة غير مباشرة من صدام حفتر، مع اتهامات بتحويل ثلاثة مليارات دولار من عائدات النفط الى حسابات خارج ليبيا في اقل من عامين.
واثارت هذه الاتهامات جدلا داخليا، خاصة بعد اعلان حكومة الوحدة الوطنية انهاء التعاقد مع الشركة، وهي خطوة اعتبرها معارضوها غير كافية لمعالجة جذور المشكلة، في ظل غياب مسار واضح للمساءلة او تفكيك الشبكات المتورطة.
وفي المقابل، اكد قرار مجلس الامن ان المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بادارة الموارد النفطية في البلاد، وذلك في محاولة للسيطرة على قنوات التصدير الرسمية ومنع تجاوزها.
تحديات داخلية وعقبات دولية
ويرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي ان تجديد القرار لم يحقق النتائج المرجوة منذ 2014، واشار الى ان السنوات التي تلت صدوره شهدت اسوا موجات التهريب، والتي لم تقتصر على الوقود بل شملت تهريب البشر ايضا.
ويعزو الشحاتي ذلك الى غياب الانضباط المحلي وضعف تطبيق القانون، واكد ان اي قرارات دولية تظل محدودة الفاعلية اذا لم تصاحبها ارادة داخلية حقيقية لتنفيذها.
واضاف الشحاتي موضحا ان انشغال المجتمع الدولي بازمات اكثر الحاحا قد يقلل من توفير الامكانات اللازمة لمتابعة تنفيذ هذه التدابير، ما يجعلها اقرب الى اطار تنظيمي نظري منها الى وسيلة ردع فعالة.
تقييم الفاعلية والمستقبل
وسبق ان ظهرت تساؤلات حول فاعلية القرارات الاممية بشان تهريب النفط في الخريف الماضي، بعد تقرير لمنظمة ذا سنتري، والتي كشفت ان خسائر ليبيا بسبب تهريب الوقود بين 2022 و2024 بلغت حوالي 20 مليار دولار.
وترى نجوى البشتي ان فاعلية القرارات الدولية تعتمد على وجود اليات تنفيذ صارمة وعقوبات اكثر جدية، بالاضافة الى تعاون حقيقي بين الاطراف المعنية.
واكدت نجوى ان هناك تقارير دولية تحدثت عن تورط شبكات متعددة في عمليات التهريب، بما في ذلك مجموعات مسلحة محلية توفر غطاء لوجستيا لهذه العمليات، ما يزيد من صعوبة مكافحتها.
وبعد ساعات من صدور قرار مجلس الامن، سارعت بعثة الامم المتحدة الى التاكيد على ان الشفافية والمساءلة والحد من التدخلات السياسية غير المبررة، وتقليل تاثير التشكيلات المسلحة، عناصر اساسية لبناء الثقة العامة وجذب الاستثمارات الاجنبية الى ليبيا.
وجاء ذلك خلال لقاء بين نائبتي الممثلة الخاصة للامين العام ستيفاني خوري واولريكا ريتشاردسون مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعد سليمان، حيث اشادتا بالخطوات التي اتخذتها المؤسسة لتعزيز الحوكمة، ودعتا الى مواصلة الاصلاحات.
