في تطورات متسارعة تشهدها المنطقة، تواجه المساعي الفرنسية الرامية إلى حماية لبنان من الهجمات الإسرائيلية تحديات كبيرة، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستستهدف حزب الله في أي مكان تراه ضروريا، مؤكدا أن رسالة إسرائيل واضحة وهي أن كل من يستهدف المدنيين الإسرائيليين سيتعرض للضرب، وأن إسرائيل ستواصل العمل حتى تستعيد الأمن بشكل كامل لسكان شمال إسرائيل.
وجاءت تصريحات نتنياهو بعد المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنظيره اللبناني جوزيف عون، وكشف عون أن ماكرون أبلغه باستعداد باريس لتفعيل أدواتها الدبلوماسية لضمان إدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية بين الولايات المتحدة وإيران.
ولتنفيذ هذا الوعد، قام ماكرون بالاتصال بالرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وذلك بهدف الدفع نحو إشراك لبنان في الاتفاق المذكور، وجاءت هذه التحركات بعد يوم دام شهد سقوط عدد كبير من الضحايا والجرحى، ولم يكشف قصر الإليزيه عن تفاصيل الاتصالين، إلا أن مصادر متابعة في باريس أشارت إلى أن الهدف كان التعرف على المضمون الحقيقي لاتفاق وقف النار، وحث ترمب على الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على لبنان.
تباين المواقف الدولية حيال الأزمة اللبنانية
واتصل ماكرون ببزشكيان لاستكناه المقاربة الإيرانية للوضع الراهن، وطلب منه العمل لدى حزب الله لتهدئة الأوضاع، وبين بزشكيان أن لبنان مشمول بوقف النار، وهو ما يعد أحد الشروط الأساسية لخطة النقاط العشر التي قدمتها إيران، وتتمسك بها.
بيد أن المساعي الفرنسية لم تلق تجاوبا إيجابيا من الجانب الأميركي، حيث جاء الرد من خلال تصريحات لترمب ونائبه جيه دي فانس، وأكد كلاهما أن الاتفاق مع إيران لا يشمل لبنان، وهو ما شددت عليه الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمرها الصحافي.
ونبه فانس من بودابست إلى أنه إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار بسبب لبنان، الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوما إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا خيارها، وأضاف أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل قالتا إن هذا سيكون جزءا من وقف إطلاق النار، وأن وقف إطلاق النار سيركز على إيران وعلى حلفاء أميركا، سواء إسرائيل أو دول الخليج العربية.
خيبة أمل فرنسية وترقب للمفاوضات المقبلة
ويفسر ما سبق الخيبة الفرنسية من الموقف الأميركي، وتشكو باريس من أن الجهود التي بذلتها لإقناع واشنطن بلجم إسرائيل في لبنان لم تثمر، وفهم دبلوماسيّوها أن ضوءا أخضر قد أعطي لإسرائيل لمواصلة هجماتها على حزب الله.
لكن مصادر سياسية غير حكومية ذكرت أن إسرائيل تسعى للاستفادة من الوقت لإنزال أكبر الخسائر بحزب الله قبل أن تشتد الضغوط عليها، وأن نتنياهو، الذي واجه انتقادات بسبب الاتفاق بين واشنطن وطهران، يريد التعويض عن خيبته الأميركية بمضاعفة استهداف حزب الله، ومن جانب آخر، لا يأمل الجانب الفرنسي في استجابة تل أبيب لمطالبه، فالاتصالات بين ماكرون ونتنياهو مقطوعة، والزيارة التي قام بها وزير الخارجية جان نويل بارو إلى إسرائيل لم تفض لأي نتيجة إيجابية.
ويرى ماكرون أن احترام جميع الأطراف المتحاربة لوقف إطلاق النار بشكل كامل على كل جبهات الحرب، بما في ذلك لبنان، هو شرط أساسي لاستدامة وقف إطلاق النار، وأضاف أن هذا الاتفاق يجب أن يمهد الطريق لمفاوضات شاملة لضمان سلامة الجميع في الشرق الأوسط.
دعوات لتعزيز قدرات الجيش اللبناني
وعاد ماكرون للمطالبة بتفعيل آلية الرقابة على اتفاق وقف النار، ودعا إلى تعزيز دعم القوات المسلحة اللبنانية لتصبح قادرة على استعادة السيطرة على أراضيها والتصدي لحزب الله بشكل فاعل.
وخلال اليومين الأخيرين، كان الوضع في لبنان الشغل الشاغل للمسؤولين الفرنسيين، الذين يرون أن الوضع هناك خطير للغاية، وتنطلق القراءة الفرنسية من أن حزب الله ارتكب خطأ استراتيجيا عندما هاجم إسرائيل، وجر لبنان إلى أزمة إقليمية.
وقال جان نويل بارو إنه ليس من مصلحة إسرائيل قصف لبنان، معتبرا أن الضربات الإسرائيلية غير مقبولة، وأن باريس تدينها بشدة، وألقى الوزير الفرنسي بالمسؤولية على حزب الله الذي أشعل فتيل النزاع، ودعا إيران إلى التوقف عن ترهيب إسرائيل بواسطة حزب الله، الذي ينبغي له بصورة ملحة أن يلقي السلاح ويسلمه إلى الدولة اللبنانية.
موقف أوروبي موحد ودعوات للتهدئة
وتتشارك باريس مع الدول الأوروبية الأخرى في دعوتها إلى وقف إطلاق النار في لبنان، وحثت كايا كالاس إسرائيل على وقف غاراتها على لبنان، محذرة من أنها تهدد الاتفاق الأخير، ودعت جيورجينا ميلوني إسرائيل إلى وضع حد لعملياتها العسكرية في لبنان، وطالبت إيفيتكوبر بتمديد وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، معربة عن قلق بالغ إزاء الهجمات الإسرائيلية.
ويرى مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس أنه طالما بقي الحراك الأوروبي محصورا ببيانات المؤاساة والتنديد، ولم يصل أبدا إلى اتخاذ قرارات تنفيذية وجريئة بحق إسرائيل، فإن كلمة أوروبا تبقى بلا وزن وعديمة التأثير.
