كثيرة هي النصائح التي تتحدث عن أهمية المشي، لكن الأبحاث والتجارب الحديثة كشفت أن تخصيص عشر دقائق فقط للمشي والتفكير يمكن أن يحدث تغييرا ملحوظا في مزاجك، ويمنحك وضوحا ذهنيا غير متوقع في خضم يوم مليء بالضغوط والمسؤوليات.
مجلة تايم الأمريكية سلطت الضوء على هذا المفهوم في تقرير حديث أطلقت عليه اسم "نزهة التفكير"، وهي جولة مشي قصيرة تهدف إلى منح عقلك فرصة لالتقاط الأنفاس بعيدا عن صخب الشاشات وتدفق الرسائل المستمر، حيث تنصح المجلة بترك الهاتف في الجيب خلال هذه النزهة.
وتهدف هذه النزهة إلى توفير مساحة للعقل للتنفس والتفكير بحرية، بعيدا عن المشتتات الرقمية التي تملأ حياتنا اليومية.
ما هي نزهة التفكير وكيف تختلف عن المشي المعتاد؟
نزهة التفكير تختلف عن المشي الرياضي المعتاد في عدة جوانب، فهي ليست مخصصة للاستماع إلى الموسيقى أو البودكاست، أو إجراء المكالمات الهاتفية، كما أنها لا تهدف إلى قطع مسافة كبيرة أو تحقيق رقم قياسي في عدد الخطوات، بل إن الهدف الأساسي منها هو إعادة ضبط الذهن والتعامل مع الأفكار والمشاعر المتراكمة خلال اليوم.
واضافت اخصائية نفسية اعتمدت هذه العادة، كما ينقل عنها تقرير تايم، أن عشر دقائق تمشيها بين جلسة علاجية وأخرى كانت كافية لتبديل طاقتها الذهنية والدخول إلى الجلسة التالية بعقل أكثر صفاء.
وبينت أنه مع مرور الوقت اكتشفت أن عشر دقائق هي المدة المثالية، فهي طويلة بما يكفي لتكتمل فكرة وقصيرة بحيث لا توجد حجة حقيقية لعدم تخصيصها.
تأثير العشر دقائق على مزاجك ومستويات التوتر
تظهر الأبحاث النفسية أن فترات قصيرة من المشي قادرة على تحسين المزاج بشكل فوري، وتقليل مستويات التوتر، والتخفيف من حدة القلق وأعراض الاكتئاب الخفيفة، فضلا عن زيادة الشعور بالطاقة والمرونة النفسية.
واكدت دراسة نشرت في مجلة تابعة للجمعية الأمريكية لعلم النفس أن المشي، حتى على جهاز المشي داخل غرفة مغلقة، أدى إلى تحسين أداء المشاركين في مهام التفكير الإبداعي مقارنة بالجلوس، وهو ما يدعم فكرة أن مجرد الحركة الهادئة يمكن أن تفتح أمام الدماغ مسارات جديدة للتفكير.
وتعزى هذه التأثيرات الإيجابية إلى مزيج من العوامل الفسيولوجية، بما في ذلك زيادة تدفق الدم إلى الدماغ، مما يدعم التفكير الواضح والانتباه، وإفراز نواقل عصبية مرتبطة بالرفاه مثل الإندورفين والدوبامين، مما يساعد على تخفيف التوتر وتحسين المزاج، بالإضافة إلى تهدئة استجابة الجسم للضغط عبر تنشيط الجهاز العصبي الذاتي بطرق تعزز الإحساس بالهدوء والسيطرة.
نزهة التفكير: ليست سباقا بل مساحة للعقل
لا تعني نزهة التفكير إهمال الجانب البدني للمشي، لكنها تنظر إلى الحركة اليومية من زاوية مختلفة، زاوية يمكن أن تكون نقطة بداية عملية لعلاقة أكثر واقعية مع النشاط البدني.
واوضح تحليل نشر في مجلة القلب الوقائي الأوروبية، والذي استند إلى بيانات أكثر من 30 ألف شخص، أن كل زيادة بنحو ألف خطوة يوميا ترتبط بانخفاض ملموس في خطر الوفاة، حتى عند مستويات أقل من عشرة آلاف خطوة في اليوم.
هذا يعني أن إدخال نزهة تفكير واحدة أو اثنتين في يومك، كل منها عشر دقائق، لا يمنحك دفعة نفسية فحسب، بل يضيف أيضا إلى رصيدك الصحي على مستوى القلب والدورة الدموية، دون الحاجة إلى خطط رياضية معقدة.
المشي الواعي: فرصة للتفكير العميق
في حياتنا الرقمية، تحول المشي عند كثيرين إلى فرصة إضافية لوضع السماعات في الأذن والغرق في حلقات لا تنتهي من المحتوى الصوتي، لكن نزهة التفكير تقترح عكس ذلك تماما، مشيا واعيا بلا ضجيج.
وبينت دراسات حول المشي الواعي أن الشخص عندما يمشي دون هاتف أو مشتتات ويركز لدقائق على خطواته وأنفاسه وما يحيط به، تنخفض مستويات القلق والتوتر ويزداد الشعور بالصفاء الذهني والوجود في اللحظة، وهو ما يجعل هذا النوع من المشي قريبا في أثره من تمرينات التأمل البسيطة، لكن بصورة أكثر ألفة وسهولة للحفاظ عليها.
وشددت التجارب العملية على اهمية المشي مع أفكارك فقط، فقد يبدو غير مريح في البداية، خصوصا لمن اعتاد ملء كل فراغ بصوت أو شاشة.
نصائح للاستفادة القصوى من نزهة التفكير
المشي مع أفكارك فقط قد يبدو غير مريح في البداية، خصوصا لمن اعتاد ملء كل فراغ بصوت أو شاشة، لذلك تقترح التجارب العملية عدم الدخول إلى النزهة كاختبار لإنجاز اكتشاف عظيم، بل بلحظة فضول واستكشاف، مع طرح سؤال بسيط على النفس قبل البدء، مثل ما الفكرة التي تحتاج إلى مساحة اليوم؟ أو ما المشكلة التي أريد أن أراها من زاوية أخرى؟ أو ما الشعور الذي أود أن أفهمه بدل الهرب منه؟
بعد ذلك، دعه ذهنك يتحرك بحرية، أحيانا ستخرج بخطوة عملية واضحة، وأحيانا أخرى ستكون الفائدة مجرد شعور بأن رأسك أقل ازدحاما مما كان عليه قبل عشر دقائق، وهذا بحد ذاته مكسب.
ولكي تتحول نزهة التفكير من فكرة جميلة إلى طقس يومي بسيط، يمكن البدء بخطوات عملية صغيرة، مثل تحديد عشر دقائق صادقة في اليوم بين اجتماعين أو بعد الغداء أو قبل العودة إلى البيت، واختيار مسارا مألوفا وقريبا حول المبنى أو في الشارع المجاور أو حتى على جهاز مشي في المنزل، مع استخدام الهاتف فقط لضبط الوقت ووضع مؤقتا لعشر دقائق ثم إبعاده عن يدك، وعدم مطاردة الكمال، فنزهة واحدة في اليوم أفضل من خطة مثالية لا تنفذ، وإن فاتتك يوما يمكنك استئنافها في اليوم التالي دون شعور بالذنب.
اجعلها عادة يومية
مع مرور الوقت، قد تتحول هذه الدقائق القليلة إلى مساحة شخصية تحميك من ضوضاء اليوم، وتشبه في أثرها كوب قهوة هادئا، ولكن للعقل هذه المرة لا للجسد فقط.
ما تشير إليه مجلة تايم وما تؤكده الدراسات التي استندت إليها هو فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه، نزهة مشي قصيرة بلا شاشات مخصصة لك ولأفكارك فقط قد تكون من أكثر الاستثمارات هدوءا وفاعلية في صحتك النفسية والبدنية.
عشر دقائق قد لا تغير العالم، لكنها قادرة أن تغير طريقتك في رؤيته والتعامل معه خطوة بعد خطوة.
