في مدينة غزة، حيث يمتد الوجود المسيحي لأكثر من ألفي عام، يواجه المسيحيون هذا العام عيد الفصح بقلوب مثقلة، اذ خرج فؤاد عياد باحثا عن بيض ملون لاطفال ينتظرون فرحة العيد، ولكنه لم يجد بيضة واحدة، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها القطاع.
فؤاد، مدرب الطاقة الحيوية الذي نزح من منزله قرب مستشفى الرنتيسي، قال إنه اعتاد تزيين البيض للصغار ومشاركة الفرحة مع أطفال الجيران المسلمين، مضيفا كنا نجتمع على غداء مشترك ونلون البيض، كان عيدا جميلا مليئا بالفرح.
لكن هذا العام، يختلف المشهد تماما، فاللحم شحيح وباهظ الثمن، ولا غداء عائليا، وكنيسة العائلة المقدسة التي كان يرتادها فؤاد تعرضت لهجمات، مبينا أن ثلاثة من أقاربه قتلوا في هذه الكنيسة، وفي هجوم آخر قتل أكثر من عشرين مسيحيا.
عيد الفصح في ظل الحرب
واضاف فؤاد أن حضور قداس الفصح هذا العام تراجع كثيرا في الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة، لأن كثيرا من أبناء الجماعة غادروا القطاع، مؤكدا رغم أننا أقلية صغيرة، سنواصل الصلاة في كنيستنا.
ثم اختتم فؤاد حديثه بجملة مؤثرة تلخص الوضع الراهن، موضحا اكتفينا بالصلاة، رفضنا الاحتفال بسبب شهدائنا.
ويقل عدد مسيحيي غزة اليوم عن ألف شخص، وكانوا قبل الحرب مجتمعا صغيرا، وقد قتل عدد منهم منذ أكتوبر الماضي في هجمات استهدفت منازلهم وكنائسهم، وهم جزء من أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلتهم إسرائيل منذ ذلك التاريخ.
معاناة مستمرة وشح في الإمكانيات
وداخل كنائس غزة، حملت الصلوات والتجمعات الهادئة معنى أعمق من أي سنة سابقة، حيث تحيي العائلات العيد وهي تتشبث بالأمل في البقاء والسلام، ورغم هجرة الكثيرين، يواجه من بقي شحا في كل شيء، من الكهرباء والماء والطعام، وصولا إلى البيض الذي يعد جزءا من تقاليد العيد الأساسية.
واشار التقرير إلى أن إسرائيل تتحكم منذ عقود في ما يدخل غزة ويخرج منها، وهذه القيود تضاعفت خلال الحرب، ورغم وقف إطلاق نار معلن منذ أكتوبر الماضي، تواصل إسرائيل خنقها للقطاع وهجماتها عليه، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني هجرت غالبيتهم العظمى.
الياس الجلدة من حي تل الهوا في مدينة غزة أجبر على الفرار مع عائلته المكونة من خمسة أفراد بعد تدمير منزله، مبينا لجأت إلى كنيسة العائلة المقدسة خلال الحرب، ومنذ وقف إطلاق النار أستأجر شقة في حي الصبرة.
ذكريات العيد قبل الحرب
وبين إلياس أنه رفض النزوح إلى جنوب غزة كما فعل كثيرون، وآثر البقاء في الكنائس رغم الخطر، مؤكدا بعض المسيحيين لاذوا بكنيسة القديس بورفيريوس، لكن أغلبهم بقي في كنيسة العائلة المقدسة.
واكد إلياس، العضو النشط في مجلس أمناء الكنيسة الأرثوذكسية ونقابة العمال، إن الكنيسة قصفت عدة مرات، مضيفا فقدت أصدقاء وجيرانا وأقارب، كثيرون قتلوا وهم يحاولون البقاء قرب بيوتهم وإيمانهم.
وتذكر إلياس كيف كان عيد الفصح وقتا للاحتفال والسعادة، قائلا كانت العائلات تحتفل في البيت، تزور الأقارب وتستقبل الأصدقاء، الكنيسة والبيوت كانت تمتلئ بالتقاليد: البيض الملون، والكعك، والمعمول، والعيدية.
تضاؤل مظاهر الفرح
واستطرد إلياس قائلا بعض العائلات كانت تمتد احتفالاتها إلى الضفة الغربية، حيث كانت تقام أكبر الاحتفالات، لكن هذا العام مختلف، فالتقاليد ناقصة، ولا بيض في القطاع كله، والاطفال ليس لديهم مكان للترفيه: لا ملاهي ولا ملاعب ولا حدائق ولا مطاعم بأسعار معقولة.
واشار إلياس إلى أزمة الكهرباء الخانقة، موضحا لا تزال مشكلة كبرى، ارتفاع أسعار الديزل وزيت المولدات زاد الأمور سوءا.
امل المصري، البالغة من العمر 74 عاما، والتي كانت تعيش مع عائلتها المكونة من ستة أفراد في حي الرمال، نزحت مع زوجها ثلاث مرات، مبينة عامان في الجنوب بلا عيد على الإطلاق.
محاولات للحفاظ على الطقوس
واضافت أمل حتى في عيد الميلاد لم يكن هناك احتفال من أي نوع، لم يكن لدينا حتى كراس للجلوس، كنا نجلس على الفرشات أثناء الصلاة، مستذكرة كيف كان للاحتفالات روح خاصة قبل الحرب، حيث كانت العائلات تدعو بعضها على الغداء والعشاء، وتتبادل الحلويات، وتقضي الوقت معا.
واكدت أمل أنها تحاول مع جماعتها الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، لكن كثيرا من التقاليد التي كانت تدخل الفرح على الأطفال لا تزال غائبة، وعلى رأسها البيض الملون، مبينة بحثت عن البيض في كل مكان، ولم أجد بيضة واحدة في القطاع كله.
واختتم فؤاد عياد حديثه بعبارة تختزل كل شيء، قائلا نحن المسيحيين جزء من هذه الأرض، وعانينا مع الجميع في غزة، مهما كان انتماؤك السياسي أو دينك، كلنا نحن الفلسطينيين مستهدفون من الاحتلال، فبيض ملون واحد كان سيكفي، لكن في غزة اليوم، حتى هذا القدر من الفرح ليس متاحا.
