في صندوق بسيط يحمل نقوشا من التراث المغربي، تظهر دمية فريدة باسم "يطو"، وهو اسم امازيغي قديم يعود للحياة من جديد. هذه الدمية ليست مجرد لعبة، بل هي رحلة في الخيال والانتماء، تأخذ الطفل الى عالم من الثقافة المغربية الغنية.
وبمجرد فتح الصندوق، ينطلق الطفل في مغامرة لاستكشاف هويته وجذور بلاده، وذلك بفضل التصميم المتقن والملابس التقليدية التي ترتديها الدمية.
المصممة دعاء بنحمو هي العقل المدبر وراء هذا المشروع المبتكر، الذي يجمع بين الحرفية اليدوية والحفاظ على التراث الثقافي، مع التركيز على اعادة التدوير.
"يطو".. دمية تحكي تاريخ المغرب
ولا تهدف دعاء الى تقديم منتج ترفيهي فحسب، بل تسعى الى تعريف الاطفال بالمغرب من خلال دمى مستعملة ترتدي ملابس وحلي تقليدية، تجسد التنوع الثقافي للمملكة.
لم يكن مشروع "يطو" مجرد فكرة عابرة، بل هو نتيجة شغف طفولة دعاء، التي قضتها بين الاقمشة في ورشة والدتها للخياطة والتطريز في مدينة الخميسات.
وتتذكر دعاء تلك الايام قائلة: "كنت اصنع دمى من اعواد القصب، واصنع لها ملابس من بقايا الاقمشة لالعب بها مع صديقاتي".
ورافق هذا الشغف دعاء خلال دراستها الجامعية في الرباط، حيث كانت تدرس الاقتصاد، وبعد ان طورت مهاراتها في الخياطة، بدات في تصميم ازياء تقليدية مصغرة للدمى وبيعها في معارض الصناعة التقليدية، مما ساعدها على تمويل دراستها.
من الجامعة الى عالم تصميم الازياء
وبعد تخرجها، عملت دعاء في عدة شركات لمدة ثماني سنوات، مبتعدة عن عالم الازياء، لكن جائحة كورونا وفرض الحجر الصحي اعادا اليها شغفها القديم.
واضافت دعاء انها استغلت فترة العزلة لاستعادة شغفها القديم، وقررت هذه المرة ان تتعمق في دراسة الازياء التقليدية النسائية والرجالية، لتحويل كل دمية الى "سفيرة ثقافية".
وبينت دعاء انها درست العديد من المراجع والكتب لكي تتعمق في اسرار اللباس التقليدي، فاكتشفت سحر "الشدة التطوانية" وفخامة "القفطان الفاسي" وعراقة "الملحفة الصحراوية" وخصوصية "تكنست الامازيغي" وجمال "المنديل والشاشية الجبلية".
واكدت دعاء انها انبهرت بغنى اللباس التقليدي المغربي الذي يتنوع بتنوع تضاريس المملكة، فلكل جهة بصمة خاصة تطبع زيها التقليدي، وبالرغم من ان الجلباب والقفطان و"التكشيطة" تظل الاسماء الكبرى لملابس تقليدية توحد المراة المغربية، الا ان سحرها الحقيقي يكمن في اختلاف انماط الخياطة ونوعية الاقمشة وفنون التطريز.
"يطو".. من هواية الى مشروع ناجح
وقالت دعاء للجزيرة نت: "حاولت تجسيد هذا التنوع الثقافي في الملابس التي البسها للدمى، وكان هدفي في تلك الفترة بيع هذه المنتجات في المعارض التي تشارك فيها والدتي ثم العودة بعد انتهاء تداعيات الجائحة للبحث عن وظيفة جديدة مستقرة".
واوضحت دعاء انها في اول معرض بعد الجائحة في الرباط، عرضت حوالي 75 دمية بيعت كلها، وقالت ان تشجيع الزبائن وكلماتهم الحماسية ودعواتهم لها للاستمرار في هذا العمل، جعلها تقرر الدخول الى عالم الاحتراف واطلاق مشروعها الخاص.
وبينت دعاء انها لجأت الى "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" للحصول على الدعم، وحصلت على قرض من برنامج "فرصة" الحكومي، مما ساعدها على تأجير ورشة العمل وتجهيزها.
اعادة التدوير في صميم المشروع
واشارت دعاء الى ان برنامج "فرصة" وفر لها الى جانب التمويل، المواكبة الاحترافية مما ساعدها على نقل المشروع من الهواية والحلم الى الاحترافية، مؤكدة ان "هذه البرامج تفتح الابواب للافكار والمشاريع الجادة".
ومما يميز مشروع دعاء انه يقوم بالكامل على فكرة اعادة التدوير، فكل دمية هي نتيجة عملية احياء لاشياء قديمة ومستعملة، اذ يتم جمع الدمى من اسواق الاشياء المستعملة ثم تنظف وتصلح وتضاف لها لمسات مغربية كالحناء والوشم.
واضافت دعاء ان الشعر يجلب من صالونات الحلاقة ليحاكي طبيعة الشعر المغربي، في حين تصنع الملابس من بقايا الاقمشة وبقايا "السفيفة" المذهبة، وتعاد صياغة الحلي من قطع مكسورة لتصبح سلاسل واقراط وخواتم تزين الدمى.
وتقول دعاء بفخر: "هذا المنتج هو نتيجة عملية تدوير كاملة، نحن لا نصنع لعبة، بل نصنع قطعة من الهوية بلمسات مستدامة".
"يطو".. جائزة الابتكار والتميز
وفي عام 2025، حصلت دعاء على المرتبة الاولى في "جائزة للا مريم للابتكار والتميز"، واكدت ان كل ما حدث لها في تلك الفترة اكد ان مشروع "يطو" يستحق ان يستمر وينجح.
واشارت دعاء الى انها تجاوز طموحها بيع الدمية "يطو" لمحبي التراث، بل تنظم ورشات في المدارس لتعريف الاطفال بتنوع الازياء في بلدهم، وقالت باسى: "لا يعرف الاطفال في بعض المدارس الكثير عن الزي التقليدي، معلوماتهم سطحية ولا يدركون غنى عالم (الراندة) و(السفيفة) وتعدد انواع اللبسة والاحزمة والاحذية".
واعتبرت دعاء ان الدمية "يطو" هي اداة تربوية لربط الطفل بجذوره عبر جعل التراث جزءا من العابه وحياته اليومية.
زبائن "يطو".. دمى تعكس هويتنا
ولمشروع "يطو" زبائن اوفياء يتابعون المشروع ويدعمونه منذ انطلاقته، من بينهم السيدة العماري، وهي ام لطفلتين، زارت دعاء في معرض للصناعة التقليدية بالرباط لتأخذ دمى جديدة، وبعد حيرة اختارت في البداية ثلاث دمى، لكن انتهى بها المطاف باقتناء سبع دمى.
وقالت السيدة العماري: "اتابع مشروع دعاء منذ سنوات، وازورها كلما سنحت لي الفرصة لاختار دمى جديدة وقد اعجبني اتقانها لعملها"، واوضحت انها خصصت ركنا في منزلها لعرض هذه الدمى تعبيرا عن غنى الثقافة المغربية و"لتمكين بناتي من اللعب بدمى تشبهنا وتعبر عن هويتنا وثقافتنا".
وتؤكد دعاء بنحمو ان زبائنها الاوفياء هم المحفز الحقيقي للاستمرار في مشروعها، واليوم تعمل بامل وجد لتحقيق حلمها الاكبر، وهو انتاج دمية بملامح مغربية خالصة تشبهها وتشبه فتيات بلادها، لذلك تخطط لزيارة الصين هذا العام للوقوف على تفاصيل تنفيذ هذا الهدف.
فالدمية "يطو" بالنسبة لها ليست لعبة فقط، بل حاملة للثقافة والافكار والتقاليد والذاكرة، وسفيرة داخل كل بيت تقرب الجيل الجديد من هويته وتعلمه ان يفخر ويعتز بها.
