يبدو ان لبنان يتجه نحو البحث عن حل للازمة المتفاقمة مع اسرائيل، وذلك من خلال اقتراح هدنة انسانية تزامنا مع عيد الفطر، ياتي هذا التحرك في ظل تعثر الجهود السابقة لوقف اطلاق النار بين اسرائيل وحزب الله على الاراضي اللبنانية، حيث تواجه هذه المساعي صعوبات جمة نتيجة للتشدد المتبادل بين الطرفين.

واسرائيل تشدد على ضرورة استسلام حزب الله بشكل كامل قبل وقف عملياتها العسكرية في لبنان، ويربط حزب الله موقفه بما تراه ايران مناسبا، بعد دخول الحرب الدائرة بين طهران وواشنطن وتل ابيب، وكشفت مصادر لبنانية رسمية رفيعة المستوى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قدم مقترحا لوقف اطلاق النار، ونقله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الرئيس اللبناني جوزيف عون قبل حوالي عشرة ايام، الا ان اغلاق حزب الله لقنوات الاتصال، ثم اطلاقه عملية عسكرية واسعة تحت مسمى العصف الماكول، قد افشلا هذه المبادرة، وزادا من التشدد الاسرائيلي.

ويبقى تشدد حزب الله يشكل العائق الاكبر امام محاولات وقف الحرب من الجانب اللبناني، فمن الناحية الشكلية، يرفض الحزب تقديم خطاب سياسي واضح يتضمن استعداده لوقف الحرب وتحديد اهدافه منها، وفي الوقت نفسه، يتزامن تصعيده العسكري مع المساعي السياسية الرامية الى وقف هذه الحرب.

لا موعد محددا للمفاوضات

واكد مصدر رسمي لبناني انه لا يوجد حتى الان موعد او مكان محدد لاطلاق المفاوضات مع اسرائيل، مبينا ان اسرائيل لم تقدم بعد ردا رسميا بشانها، لكن هناك رسائل ترسلها تل ابيب الى لبنان عبر الرئيس الفرنسي ماكرون، ثم عبر ممثلة الامين العام للامم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، وتتضمن هذه الرسائل سؤالا جوهريا لم يتمكن لبنان من الاجابة عليه حتى الان وهو: هل اذا اوقفنا القتال، سيتوقف حزب الله عن اطلاق الصواريخ؟

واضاف المصدر ان لبنان لا يملك ترف اضاعة الوقت، ولهذا السبب يسعى رئيس الجمهورية الى استكمال تشكيل الوفد اللبناني المفاوض، والذي من المفترض ان يتكون من اربعة شخصيات تمثل الطيف اللبناني الوطني، اي الطوائف الاساسية، وقد تم بالفعل تسمية الممثل المسيحي الوحيد السفير السابق سيمون كرم، الذي مثل لبنان في اجتماعات الميكانيزم، والامين العام لوزارة الخارجية السفير عبد الستار عيسى (سني) الذي سماه رئيس الحكومة نواف سلام، وشوقي بو نصار (درزي) سماه وليد جنبلاط، في حين لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري مصرا على رفض تسمية عضو شيعي للوفد المفاوض، مشترطا وقف اطلاق النار وعودة النازحين قبل قيامه بذلك، ووفقا للمعلومات، لم يتجاوب بري بعد مع اقتراح بتسمية عضو في وفد الظل المفاوض الذي سيواكب المفاوضات على الاقل، علما ان المصدر الرسمي اكد ان اسرائيل تصر في رسائلها غير المباشرة على وجود عضو شيعي في الوفد اللبناني المفاوض، ويعتقد المصدر ان بري يمكن ان يلعب دورا اساسيا في العملية التفاوضية، باعتباره الوحيد القادر على تشكيل نوع من الضغط على الحزب في المرحلة الحالية وما سيليها من مراحل.

وكانت صحيفة معاريف قد نقلت عن مصادر اسرائيلية ان تل ابيب ترى ان بري شخصية لديها قدرة فعلية على منح دعم لخطوة ما او بدلا من ذلك كبحها، ووفقا لهذا التقييم، حتى لو لم يسارع بري للوقوف في جبهة الاتصالات، فانه لا يزال الجهة القادرة على منحها صلاحية حقيقية، واشارت الصحيفة الى ان موقفه العلني هو انه يجب ان يكون هناك وقف لاطلاق النار اولا ومن ثم المحادثات، فهو غير معني بالمشاركة في مفاوضات تحت النار، ومع ذلك، فان التقييم في القدس هو انه حتى لو لم يكن ضالعا بشكل مباشر في المرحلة الاولى، فانه اذا تبلورت تفاهمات تتناسب مع المصالح اللبنانية وميزان القوى الداخلي، فقد يدعمها لاحقا، بل ويوفر الغطاء السياسي الذي سيسمح لحزب الله بقبولها.

دور الولايات المتحدة

وفي المقابل، لا يرى المصدر الرسمي في الصمت الاميركي اشارة سلبية، فواشنطن مشغولة بالكامل في الحرب مع ايران، لكنها بالتأكيد لم تطلق يد الاسرائيلي في لبنان، والا لكان المشهد مختلفا، واكد المصدر ان مبادرة الرئيس اللبناني لاقت اذانا صاغية في الولايات المتحدة الاميركية، كاشفا ان مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون الافريقية بولس مسعد وصهر الرئيس الاميركي جاريد كوشنير قد كلفا رسميا متابعة هذا الملف وقيادة عملية التفاوض المتوقعة.

ولا يرى المصدر اي امكانية لوقف الحرب الاسرائيلية قريبا، ولهذا يصر الرئيس عون على المضي في مبادرته من منطلق ان مفاوضات تحت النار افضل من مفاوضات بعد الخراب والدمار، واشارت الى ان الرئيس عون يخشى بقوة مما تحضره اسرائيل للبنان في الفترة المقبلة، وهو مصر على السعي لتجنبه قبل فوات الاوان.

ووفقا للمصدر، فان ضغط النزوح بات هائلا على مؤسسات الدولة اللبنانية، في ظل غياب الدعم الخارجي، متسائلا عمن سوف يساعد في اعادة الاعمار في ظل حال اللااستقرار التي تفرضها الحروب في المنطقة وانشغال دول العالم باوضاعها الاقتصادية الصعبة.

الامم المتحدة تطلق نداء انسانيا

وكشف عن ان الامم المتحدة اطلقت بشخص امينها العام انطونيو غوتيريش خلال زيارته لبيروت نداء انسانيا لجمع 300 مليون دولار للتعامل مع ازمة النزوح، لكنها بالكاد تمكنت من جمع 100 مليون دولار لا تكفي للتعامل مع 1.3 مليون نازح.

ويؤكد المصدر ان مبادرة عون لا تشمل الان هدفا يتمثل باتفاق سلام مع اسرائيل، بل هي مفاوضات تقنية، تبدا بوقف اطلاق النار، وانسحاب اسرائيل واطلاق الاسرى وترسيم الحدود، اما موضوع نزع سلاح حزب الله، فهو امر بديهي بعد تحقيق هذه الشروط، حيث لن يعود له مبرر ابدا، وسيصار الى التعامل معه بحزم وفقا لقرارات الحكومة اللبنانية ومصلحة لبنان العليا التي تقتضي ان تكون امرة السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها.

ويوضح المصدر ان الرئيس عون والحكومة قررا في وقت سابق التعامل مع موضوع السلاح بسلاح التفاهم مع حزب الله، لكن اخر الدواء الكي اذا لم يتجاوب مع ما تقتضيه مصلحة البلاد ومصلحة البيئة الشيعية تحديدا التي عانت ما عانته بسبب القرارات المتسرعة وغير المفهومة بدخول حرب اسناد جديدة بموازين قوة غير متناسبة ومن دون افق عسكري واضح.

واوضح المصدر ان الجيش اللبناني بدا يتعامل بالفعل بشدة مع عناصر الحزب المسلحين، وهم باتوا غير قادرين على نقل السلاح بحرية ولا المسلحين عبر حواجز الجيش ونقاطه المنتشرة جنوبا، كما ان الجيش بات على معرفة بكثير من المواقع التي يمكن ان يتعامل معها لاحقا بعد نهاية الحرب.

ويستغرب المصدر بشدة ما يقال بان هذه الحرب مصيرية بالنسبة لشيعة لبنان، مشيرا الى ان الشيعة في لبنان هم طائفة مؤسسة وموجودة في كل مفاصل الدولة وممثلة بقوة في البرلمان، ولم يسع احد يوما لعزلها او استضعافها او تهميشها، بل العكس فالمطلوب من هذه الطائفة ان تكون شريكا اساسيا في اعادة بناء لبنان والمساهمة في استقراره وازدهاره، مشددا على ان اختصار البيئة الشيعية بحزب او تيار لا يتناسب مع الواقع.