كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل جديدة حول شخصية "أبو علي العسكري"، الذي أعلنت كتائب حزب الله العراقية مقتله مؤخرا، مبينا أن العسكري لم يكن مجرد فرد، بل منظومة متكاملة تمثل "الحرس الثوري" الإيراني في بغداد.
أظهرت التحليلات أن "العسكري"، وهو حساب مستتر في منصة "إكس"، كان عنوانا لمجموعة من الأشخاص يتناوبون على وظيفة "سفير الظل"، موضحا أن مهمتهم تطبيق سياسات "الثورة الإسلامية" في بغداد، وفرض إيقاع صارم على آليات صنع القرار السياسي في البلاد.
واضافت المصادر أن إعلان "الكتائب"، إحدى الجماعات المسلحة الموالية لطهران، عن مقتل العسكري في 16 مارس، جاء دون تحديد المكان أو الزمان، لكن يعتقد أن هذا الإعلان جاء في أعقاب هجوم صاروخي استهدف منزلا في حي الكرادة وسط بغداد، حيث كان يعقد اجتماع "عملياتي" لشخصيات نافذة في الفصائل المسلحة.
هوية العسكري الغامضة
وبينت المصادر أن بيانا حمل توقيع "أحمد محسن فرج الحميداوي"، زعيم "الكتائب"، وصف العسكري بأنه "شريان التواصل بين الميادين العسكرية والمنصات الإعلامية".
واكدت المصادر أنه منذ نحو خمس سنوات، كان هذا الاسم الوهمي يضخ سلسلة من المواقف المتشددة التي ساهمت في تكريس سياسات متشددة في العراق، وغالبا ما كانت تعبر عن المواقف غير الرسمية لإيران، تلك التي لا يفصح عنها سفيرها الرسمي في بغداد.
واشارت المصادر إلى أن هذا الحساب كان يحذف أو يجمد ويعاد إنشاؤه أكثر من مرة، لذلك تنقل اقتباساته غالبا عبر وسائل إعلام أو لقطات شاشة، وليس دائما من المصدر المباشر.
لغز العسكري المحير
قالت المصادر أن العسكري طالما كان لغزا محيرا، إذ أحيط اسمه بسيل لم يتوقف من التكهنات حول شخصيته الحقيقية، مبينة أن الباحث العراقي هشام الهاشمي، الذي قتل برصاص عنصر من "الكتائب" في صيف 2020، كان قد صرح من قبل بأن العسكري هو النائب حسين مؤنس عن "حركة حقوق"، الجناح السياسي للكتائب في البرلمان العراقي.
واوضحت المصادر أن الكثيرين نفوا الصلة بين العسكري ومؤنس، واستقرت سرديات تفاعلت طوال السنوات الماضية على أن العسكري رجل غامض يقوم بأدوار عملياتية بالغة الحساسية، بينما كان يعرف نفسه في المنصة الرقمية بـ"المسؤول الأمني في كتائب حزب الله في العراق".
واضافت المصادر أنه مع إعلان "الكتائب" مقتل العسكري، ظهرت تسريبات مختلفة عن هوية الرجل، قيل أولا إنه أحد القتلى في الهجوم على منزل الكرادة، أبو علي العامري، الذي كان يشغل منصب المستشار الخاص ومعاون زعيم الكتائب.
استراتيجية التخويف والغموض
بينت المصادر أنه قبل أن تروج منصات مقربة من الفصائل المسلحة أن العسكري أحد أشقاء أبو حسين الحميداوي، فيما ذهبت تقديرات إلى أن "الكتائب" اختلقت قصة مقتله للتغطية على اغتيال عدد من قادة الفصائل من جراء هجمات دقيقة استهدفت مواقع مختلفة في بغداد منذ اندلاع الحرب على إيران.
واكدت المصادر أنه في النهاية، سيبدو "أبو علي العسكري" مجموعة من الأشخاص، وأن تعدد الهويات كان جزءا من استراتيجية إعلامية اتبعتها "الكتائب" في محاكاة لأسلوب "الحرس الثوري" في إنتاج التخويف عبر الغموض، ما يرجح أيضا أن نبأ مقتله جزء من التورية عن حدث داخلي مهم، إذ يمكن التكتم على مقتل "حساب وهمي".
وترجح المصادر الموثوقة أن الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين عملوا في حساب "أبو علي العسكري" هم، على الأرجح، مسؤول أمني في "الكتائب"، وعضو مجلس الشورى، ومستشار عسكري حظي بتدريب عال من "الحرس الثوري" لتمكينه من صياغة المقاربات الميدانية والسياسية، وفي جميع الأحوال فإن العسكري واحد من أهم الاستثمارات السياسية لـ"الحرس الثوري" في بغداد.
وحدة القياس الإيرانية في العراق
قالت المصادر أنه في نهاية المطاف، لن يكون "أبو علي العسكري" حتى اسما وهميا يختفي خلفه أشخاص، بل هو عنوان وظيفي لإحدى أخطر المهام الاستراتيجية لإيران في العراق، وبالنظر إلى تأثيره، سيبدو الأداة الفعالة التي كانت تتكفل بتوجيه العملية السياسية كي ترسو دائما عند المقاربة الإيرانية في العراق.
واشارت المصادر أنه قبل إعلان مقتله بأيام، كان العسكري قد كتب في تدوينة عبر حسابه أن "تعيين رئيس الحكومة المقبلة لن يتم دون بصمة إبهام المقاومة الإسلامية"، وبينما كان "الإطار التنسيقي" عاجزا عن الخروج من مأزق ترشيح نوري المالكي المرفوض، ينظر إلى موقف العسكري الحاد كضابط إيقاع للسلوك السياسي الشيعي في البلاد، بل وحدة قياس للرؤية الإيرانية التي لا يمكن تجاوزها، بما في ذلك تكليف شخصية تباركها طهران أولا لتشكيل الحكومة.
واوضحت المصادر أن العسكري كان وحدة قياس الهجوم على حكومة مصطفى الكاظمي، ومن ثم تخفيف اللهجة مع حكومة محمد شياع السوداني التي ولدت بعد اشتباكات عنيفة بين أنصار الصدر وقوات أمنية في المنطقة الخضراء، كان قد بارك تشكيل الحكومة الحالية في وقت مبكر.
تأثير العسكري على السياسة العراقية
قالت المصادر أنه خلال السنوات الماضية، انشغل العسكري في التعليق على كل قرار أو موقف داخلي، وكان معارضا لمد أنبوب النفط العراقي الأردني.
واضافت المصادر أنه بقوة التأثير ذاتها، كان العسكري قد أنشأ مسارا لإجهاض حكومة الأغلبية التي أراد مقتدى الصدر تشكيلها بعد انتخابات 2021، ووصف المشروع بأنه "إقصائي لسلاح الفصائل، متضامن مع الرؤية الأميركية".
وبينت المصادر أنه بالعودة إلى عام 2019، كانت عمليات قتل صريحة نفذت ضد متظاهرين طالبوا بالتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد، نسبت إلى طرف ثالث، بينما كان العسكري يصفهم بالمندسين الذين ينفذون أجندات خارجية مشبوهة، في لهجة طالما وصفت بأنها "تنكيل" بمئات من الشبان المحتجين.
سفير الظل الإيراني في بغداد
قالت المصادر أنه بهذا المعنى، قد لا يكون مهما التعرف على الهوية الحقيقية للعسكري، أيا كان اسمه، بل اكتشاف مساحة التأثير التي تمكنت "الكتائب" من تكريسها خلال السنوات الماضية.
واشارت المصادر إلى أن وحدة قياس "أبو علي العسكري" كانت تشمل أيضا وضع قواعد اشتباك ورسم حدود الأوزان السياسية للاعبين المحليين من السنة والكرد، والتلويح بالعصا تجاه المقاربات العراقية مع الخارج، بما في ذلك العلاقة مع المحيط العربي والخليجي والدولي، كان العسكري حذر في مرحلة ما من "إعادة دمج سوريا وتأهيل قيادتها الجديدة ضمن المجتمع الدولي".
واوضحت المصادر أنه في أعقاب استفتاء حق تقرير المصير في إقليم كردستان عام 2017، عبر العسكري عن موقف متشدد من مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي، ومنح ضوءا أخضر غير رسمي لسلوك عقابي تجاه الكرد، وعد الفكرة "مشروع تقسيم تدعمه أميركا وإسرائيل".
واضافت المصادر أنه بالنسبة للعسكري، فإن وصول محمد الحلبوسي إلى رئاسة البرلمان عام 2018 كان نتاجا لتوازنات غير وطنية، في تسوية مدعومة من الخارج، وكان واضحا أن زعيم حزب "تقدم" السني دفع ثمن الرؤية الفصائلية التي كانت تفيد، وفق العسكري، بـ"تقاطع الحلبوسي مع مشروع خارجي مشبوه".
واكدت المصادر أنه في يناير (كانون الثاني) 2020، كتب العسكري، بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، أن "القوات الأميركية في العراق أصبحت أهدافا مشروعة"، بعد خمس سنوات، تبدو جميع هذه المواقف في ذروة حرب مفتوحة على مسرح العراق كأنها صدرت عن "سفارة ظل" لإيران، تعيد صياغة المواقف الحادة التي يؤخذ بها حرفيا، من دون أن ينطق بها سفراء رسميون.
