في خطوة تعكس التقدير العالمي لقيمة التراث الثقافي غير المادي، أدرجت منظمة اليونسكو في عام 2023 طقوس إفطار رمضان وتقاليده الاجتماعية والثقافية ضمن قائمتها المرموقة، وذلك لدورها البارز في تعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، وتشجيع العمل الخيري والتضامن الاجتماعي.

ويتميز شهر رمضان في مختلف البلدان الإسلامية بطرق احتفال فريدة وتقاليد غنية تعكس التنوع الثقافي، وتضيف كل دولة لمستها الخاصة التي تعبر عن تاريخها وثقافتها وطقوسها العريقة، مما يجعل رمضان تجربة عزيزة على قلوب المسلمين في كل مكان.

واليوم نسلط الضوء على موائد رمضان في ألبانيا، أو "شكيبيريا" كما يحلو لأهلها تسميتها، تلك الدولة التي خضعت لحكم العثمانيين في القرن الخامس عشر وظلت جزءا من الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1912.

موائد إفطار بأصداء التاريخ

وتتميز الموائد الألبانية بأطباق تقليدية فريدة، وتستضيف المواطنين من غير المسلمين ليشاركوا فيها، مما يعكس كرم الضيافة الألبانية الأصيلة، بعد فترة عصيبة دامت 50 عاما من الحكم الشيوعي الصارم، والذي منع فيه ممارسة جميع الشعائر الدينية حتى كادت تختفي تماما.

والمطبخ الألباني هو مزيج من التأثيرات البلقانية والمتوسطية والعثمانية على مر القرون، فرغم شغف الألبان باللحوم، لا تخلو موائدهم من زيت الزيتون وجبنة الفيتا والخبز الطازج، ويقول الكاتب والمستكشف البريطاني أليكس تيفاني: "سواء كنت تتجول في أزقة العاصمة تيرانا أو تتناول الطعام مع عائلة ألبانية في الجبال، ستجد الطعام سخيا وبسيطا وغنيا بالنكهات".

ويتبع المطبخ الألباني دورة الطبيعة بدقة، ففي الربيع تتوفر الأعشاب الطازجة في كل مكان، وفي الصيف تشوى اللحوم في الهواء الطلق، أما الخريف فيخصص لحفظ الأطعمة وتخزينها، ويحتفل الشتاء بالأطعمة التي تدفئ القلوب، وذلك بحسب موقع "أشريدا" المعني بتجارب السفر حول العالم.

نغمات لودرا تعلن الإفطار

وفي رمضان، ما إن يدوي صوت طبل الـ"لودرا" التقليدي، الذي يقرعه الغجر عادة لإيقاظ الصائمين لتناول السحور وإعلامهم بموعد الإفطار نظير مكافأة من طعام أو مال، حتى تمتلئ موائد الشهر الفضيل بالأطباق الألبانية التقليدية مثل فطيرة البوريك الشائعة في ألبانيا، والتي يعتقد أنها موطنها الأصلي، بالإضافة إلى مأكولات شهية أخرى يتميز بها المطبخ الألباني.

وعادة ما تتضمن وجبة الإفطار طبقا رئيسيا من الخضراوات واللحم، مع تفضيل المناطق الساحلية لأطباق المأكولات البحرية، بالإضافة إلى سلطة الخضراوات الطازجة والتحلية، وعلى رأسها حلوى "تيريليتشا" والمثلجات التي تحظى بشعبية كبيرة في ألبانيا، وتعتبر هذه الوجبة من أبرز إبداعات المطبخ الألباني، خصوصا في شهر رمضان.

ومن أشهر المقبلات التي تزين مائدة الإفطار الرمضانية الألبانية البوريك، وهي مثلثات رقيقة جدا من العجين يتم حشوها بالسبانخ أو الجبن أو اللحم، ويضفي عليها زيت الزيتون طبقات مقرمشة لذيذة، وتقدم مع الزبادي اليوناني.

مقبلات شهية تفتح الشهية

ومن المقبلات أيضا الغروش، وهو حساء الفاصوليا الذي يجسد معنى الطعام المريح، حيث تكتسب الفاصوليا قواما كريميا غنيا ببطء، ويضفي اللحم المدخن نكهة مميزة وعميقة، وتتضافر المكونات لتصنع دفئا يقاوم برد الشتاء بفعالية.

كما يبرز سوب بيشكو، وهو حساء السمك الطازج، جوهر المطبخ الألباني، حيث يبرز المرق الصافي النكهات الطبيعية للتوابل بشكل كامل، وتضفي قطع الخضار الكبيرة قواما متنوعا.

ويعتبر باتيلخان تي مبوشور طبقا تقليديا من الباذنجان المحشو باللحم المفروم والطماطم والبصل المكرمل، ويستمتع الألبان بتناوله مع اللبن والأعشاب الطازجة.

أطباق رئيسية تراثية

ومن أشهى الأطباق الرئيسية والجانبية على مائدة الإفطار الألبانية تافي كوسي، وهو طبق رئيسي يعتبره الألبان تراثا وطنيا، إذ ابتكره طهاة السلطان العثماني في القرن الخامس عشر، وهو مزيج مخبوز من لحم الضأن والأرز أو دقيق القمح واللبن والبيض والزبدة، ويُقدم في أوان فخارية تتوارثها الأجيال.

ويوجد فيرجيس تيرانا، وهو طبق يجسد جوهر المطبخ الألباني المريح، في جميع أنحاء البلاد، ويُقدم ساخنا أحيانا كغموس أو طبق جانبي، أو طبقا رئيسيا مع الخبز الطازج، ويتكون من الفلفل الحلو والطماطم والبصل والجبن القريش المالح أو جبن الفيتا والأعشاب وزيت الزيتون، ويضيف إليه البعض الكبد أو اللحم لزيادة محتواه من البروتين.

ويعتبر تافي كرابي طاجن سمك الكارب الرائع، وهي وصفة تعود إلى قرون مضت وتحتاج إلى 6 ساعات من الصبر، يتحول فيها السمك تماما عند طهيه ببطء في أوان فخارية تضمن توزيعا متساويا للحرارة، ويتكرمل البصل إلى درجة الكمال، ويضفي البرقوق المجفف حلاوة غير متوقعة.

لمسة نهائية حلوة

ويعتبر تافي بيشكو طبقا ألبانيا شهيرا يُخبز في الفرن، ويُحضّر من سمك كامل أو شرائح سمك مثل القاروص أو التونة، ويجمع بين قوام المأكولات البحرية الطري ونكهتها الطبيعية مع نضارة الخضراوات، بما في ذلك الطماطم والبصل والفلفل الحار، ويتميز بتتبيل السمك بزيت الزيتون وعصير الليمون وبعض الأعشاب المتوسطية قبل خبزه.

وتتضمن الأطباق الرئيسية أيضا الكفتة، وهي كرات اللحم الألبانية المدخنة التي تُصنع من لحم البقر أو الضأن المفروم أو مزيج منهما والأعشاب والتوابل وفتات الخبز والجبن أو البيض، وتُقدّم ساخنة كطبق رئيسي أو مقبلات مع السلطات الطازجة أو صلصات الزبادي، وتفوح منها رائحة النعناع الطازج والبصل النيء الذي يضفي مذاقا لاذعا.

ويشتهر سبيكا تي مبوشور، وهو فلفل محشو يُطهى ببطء، ويُقدم كتحفة فنية شهية، يمتزج فيها الأرز مع اللحم المتبل، وتُضفي عليه الأعشاب الطازجة نكهة مميزة، بالإضافة إلى ورق العنب، حيث تُغلف أوراق العنب الأرز المتبل بإتقان، ويُضفي اللحم نكهة غنية دون أن يطغى على المذاق، ويُنعش عصير الليمون كل شيء ببراعة، ثم يُضفي الطهي البطيء عمقا مذهلا.

حلوى تذوب في الفم

ومن ألذ التحليات الألبانية البقلاوة، وهي أحد أطعمة الإرث العثماني الفريدة من نوعها في ألبانيا، فهي أقل حلاوة من نظيراتها الشرق أوسطية وأكثر توازنا لتناسب الأذواق الأوروبية، وتتكون من طبقات رقيقة من عجينة تُغلف الجوز أو الفستق المفروم يدويا، ثم يُضفي القطر الخفيف حلاوة لطيفة عليها.

وتعتبر تريليتشا تلك المفاجأة الحلوة التي تتجاوز المألوف بقطعة كيك أشبه بإسفنجة خفيفة تمتص 3 أنواع مختلفة من الحليب، ويتوج الكراميل سطحها بلمعانه المثير، قبل أن تذوب كل قضمة في الفم على الفور.

وتقدم بيتولا، وهي حلوى ذهبية يقطر منها العسل الجبلي، وتعتبر النسخة الألبانية من الدونات، وإن كانت أقل حلاوة بكثير، وهي عبارة عن قطع صغيرة من العجين المقلي، مقرمشة من الخارج وطرية من الداخل، وعادة ما تقدم مع العسل أو المربى ومع القهوة التركية.

وتعتبر بالوكومي كعكات الربيع التي تعود إلى إرث عثماني من القرن السادس عشر، وتحضر بخلط دقيق الذرة مع الزبدة في أوان نحاسية، ولا تلمس المكونات إلا بملاعق خشبية، حتى تكمل أفران الحطب مهمة منحها لونا ورديا فاتنا.