يحتفل السعوديون بيوم العلم للعام الرابع على التوالي، وذلك بعد أن أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً في الأول من مارس بتحديد يوم 11 مارس من كل عام يوماً خاصاً بالعلم، انطلاقاً من أهمية العلم الذي أقره الملك عبد العزيز بشكله الحالي عام 1937م.
وإضافة إلى امتلاكه 100 علم، يتميز الباحث السعودي عدنان الطريف بامتلاكه القطعة الأصلية لراية الدولة السعودية الأولى، إضافة إلى عشرات الأعلام الأخرى التي استخدمت في مراحل لاحقة من تاريخ الدولة السعودية في مراحلها الثلاث.
واستنادا إلى المصادر التاريخية، فإن الراية السعودية التي يحتفظ بها الطريف في خزينة أحد البنوك خوفا عليها من التلف أو الضياع أو السرقة، كانت «خضراء مشغولة من الخز والإبريسم (أجود أنواع الحرير)، وقد كتبت عليها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكانت معقودة على سارية بسيطة»، وبقيت هكذا في عهود المؤسس الأول الإمام محمد بن سعود، وابنه الإمام عبد العزيز بن محمد، وابنه الإمام سعود بن عبد العزيز، وابنه الإمام عبد الله بن سعود.
الراية السعودية.. رمز الوحدة والعزة
وأشار الطريف إلى أن أول راية سعودية رفعت عام 1727، على يد الإمام المؤسس محمد بن سعود، الذي استمر حكمه 40 سنة، وكان يعقد الراية لأحد أبنائه أو يتولاها هو بنفسه، مبينا ما ذكره ابن بشر في تاريخه، بأن الإمام عبد العزيز بن محمد، الحاكم الثاني في الدولة السعودية الأولى، وابنه الإمام سعود، كانا يبعثان برسلهما إلى رؤساء القبائل، ويحددان لهم يوما ومكانا معلومين على ماء معين، وتتقدمهما الراية، فتنصب على ذلك المورد، فلا يتخلف أحد من رؤساء القبائل.
وبين ابن بشر أيضا أن «الإمام سعود قد أعطي السعادة في مغازيه فلم تهزم له راية»، وحينما عرض ابن بشر لسيرة الإمام تركي بن عبد الله، مؤسس الدولة السعودية الثانية، قال: «كان إذا أراد الغزو يكتب إلى أمراء البلدان ورؤساء القبائل يحدد لهم الخروج في يوم معين وموقع معلوم، ثم يخرج آلاته الحربية ومعدات الجيش وأعلاف الخيول قبل مسيره بـ15 يوما، ثم يخرج الراية فتنصب قريبا من باب القصر قبل خروجه بيوم أو يومين أو ثلاثة، وكان الإمام تركي يأمر بحمل الراية، فحذا ابنه فيصل حذوه في نظام إخراج الراية وتقديمها أمامه أو نصبها أمام القصر».
ويتحدث الطريف عن مراحل تطور العلم السعودي على مدى 3 قرون، قائلا إن الراية السعودية أو «العلم» أو «البيرق» التي ترفرف خضراء منذ 3 قرون، مرت بعديد من المراحل إلى أن استقرت على ما هي عليه في أواخر عهد الملك عبد العزيز.
رحالة ومستشرقون يوثقون الراية السعودية
وتناول الباحث الطريف ما ذكره بعض الرحالة والمستشرقين حول الراية السعودية بالقول: «مع تصاعد الصراع البريطاني - الفرنسي، جاء دومنغو باديا ليبيلخ (رحالة ومستشرق إسباني تبين لاحقا أنه جاسوس) فتظاهر بالإسلام وتخفى تحت اسم (الحاج علي بك العباسي) ليعمل لحساب نامليار الثالث، وليسبر غور الدولة السعودية، فوصل إلى مكة المكرمة في شهر يناير/ كانون الثاني 1807، قادما من المغرب مرورا بشمال أفريقيا، فأتيحت له فرصة رؤية دخول جيش الإمام سعود إلى مكة المكرمة، وسجل دومنغو أو (علي بك العباسي)، دخول 45 ألفا من أتباع سعود، وهم في ثياب الإحرام، ليؤدوا المناسك، يتقدمهم علم أخضر طرزت عليه بحروف كبيرة بيضاء عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله)».
وفي المقابل، ذكر الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت، واسمه بعد أن أعلن إسلامه (إبراهيم عبد الله) في ملاحظاته حول البدو التي دونها خلال رحلاته في الشرق في عام 1810 تقريبا، عندما تحدث عن الشؤون العسكرية للإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وسلطته الراسخة في الجزيرة العربية وغزواته، ذكر أن «لدى كل أمير راية خاصة، وأن سعود يمتلك عددا من الرايات المختلفة».
وذكر الطريف بأن الملك عبد العزيز استخدم في البداية العلم أو الراية نفسها المستخدمة في الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم وجه بإدخال تغييرات عليها، وذكر أمين الريحاني في تاريخه أن «الراية التي حملها الملك عبد العزيز في أول عهده كان الجزء الذي يلي السارية منها أبيض اللون، وكان فيها جزء أخضر، وكانت مربعة الشكل تتوسطها عبارة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويعلوها سيفان متقاطعان»، ثم تغير شكلها بعد ذلك فضمت سيفا واحدا تحت الكلمات.
تطورات في شكل ومقاسات العلم السعودي
وفي 1925 أمر الملك عبد العزيز بصياغة شكل علم جديد، وفي 1937، صدر قرار مجلس الشورى بإقرار مقاس للعلم بطول 150 سنتيمترا وعرض 100 سنتيمتر، ثم صدر في العام ذاته قرار مماثل بشأن العلم الوطني وتخصيص علم: الملك وولي العهد، والجيش، والطيران، والعلم الداخلي، والعلم البحري الملكي السعودي، والعلم البحري التجاري.
وعام 1952، صدر قرار مجلس الشورى بمقاسات أخرى للأعلام وتعديلاتها، وفي 1973، صدر قرار مجلس الوزراء بإقرار نظام العلم، وفي عهد الملك فهد ومع صدور النظام الأساسي للحكم عام 1991، حدد النظام طبيعة العلم: أن يكون لونه أخضر، وعرضه يساوي ثلثي طوله، وتتوسطه عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتحتها السيف.
وحول رمزية العلم ودلالته، يرى الطريف أن العلم بشكله الحالي يشير إلى التوجيه والعدل والقوة والنماء والرخاء، حيث ترمز شهادة التوحيد التي تتوسطه إلى رسالة السلام والإسلام التي قامت عليها هذه الدولة المباركة، ويرمز السيف إلى القوة والألفة وعلو الحكمة والمكانة وإلى الأمن والأمان، أما اللون الأخضر، فيرمز إلى لون راية الإسلام كون اللون الخضر يرمز إلى السلام والعطاء والتسامح والماء، واللون الأبيض يرمز إلى النقاء الذي تتسم به المملكة العربية السعودية، معتبرا أن «العلم السعودي حالة خاصة».
العلم السعودي.. حالة فريدة ورمزية خاصة
وبين أن العلم السعودي هو العلم الوحيد الذي لا يتم تنكيسه أو إنزاله إلى نصف السارية في حالة الحداد أو الكوارث والأحداث الكبيرة، كما أنه لا يستخدم في الرعاية والعلامات التجارية، كذلك تحظر ملامسته للأرض أو الماء، والدخول به لأماكن غير طاهرة، أو الجلوس عليه، كما أنه لا ينحني لكيان الضيوف عند استعراض حرس الشرف وفي حالة الحداد (المادة 16)، وهناك عقوبات حددها النظام لمخالفة نظام العلم.
وحمل الراية في الدولة السعودية الأولى إبراهيم بن طوق، وعبد الله أبو نهيه الذي قتل في أثناء حصار الدرعية عام 1818، وفي الدولة الثانية الحميدي بن سلمة، وصالح بن هديان، وإبراهيم الظفيري، أما مع الملك عبد العزيز، فأول من حمل الراية عبد اللطيف المعشوق في معركة استرداد الرياض عام 1902، وشارك فيما تلاها من المعارك، وقتل في معركة البكيرية عام 1904، وحمل الراية بعده ابنه منصور المعشوق الذي قتل في المعركة نفسها، ثم تسلم الراية عبد الرحمن بن مطرف وأبناؤه من بعده، وإلى هذا اليوم أوكل لبيت آل مطرف حمل الراية، علما بأن هناك أفرادا وأسرا كثيرة تشرفت بحمل العلم السعودي في معارك وأماكن مختلفة.
وعن خياطة العلم السعودي والكتابة عليه، يشير الطريف إلى أن المؤرخ الراحل عبد الرحمن الرويشد قال في كتابه عن الراية السعودية: «كان يوكل بهما لبعض الأفراد من أسر الرياض المعروفة، ومن تولاه في العصر الحديث عبد الله بن محمد بن شاهين وسعد بن سعيد»، وكان بن سعيد يوكل عملية تجهيز متطلبات العلم ولم يقوموا بخياطته، وتشير بعض الوثائق إلى أن الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، كان يوكل للشيخ عبد الرحمن الطبيشي شراء وتأمين بعض متطلبات الراية.
تفاصيل صناعة العلم السعودي عبر التاريخ
كما بين أنه في مرحلة متقدمة في عهد الملك عبد العزيز صنع العلم في عدد من الدول بطريقة قماش على قماش في أميركا وباكستان وبعض الدول العربية، كما أن من أوائل من خط العلم في عهد الملك عبد العزيز، هو الشيخ عمر عاصم الحسني وهو من الجموم في وادي فاطمة بمكة المكرمة، والذي ارتحل للعمل مع أسرته في الكويت وعمل في المدرسة المباركية ثم مديرا لها، وهو من خط علم الكويت القديم، الذي كان يحمل كلمة (كويت)، كما خط لوحة المدرسة المباركية وكونه خطاطا طلب منه أن يخط العلم السعودي في عهد الملك عبد العزيز في عام 1911 تقريبا.
وعندما أمر الملك عبد العزيز بافتتاح مصنع الكسوة الخاص بالكعبة المشرفة في عام 1926، كان من أوائل العاملين فيه الخطاط عبد الرحيم أمين عبد الله بخاري، الذي أوكلت له مهمة خط كسوة الكعبة المشرفة، ووضع خطوط بابها، والمدون اسمه عليه حتى اليوم، وكان طلب منه أيضا خط العلم السعودي في ذلك التاريخ والزخارف الخاصة به، وكان بخط الثلث العربي، علما بأن أنواع الخطوط على كثير من الأعلام التي عرضت في مناسبات شرفها الملك عبد العزيز كانت مختلفة عن خط الثلث الرسمي كونها أنجزت لدى خطاطين غير عرب، أو لدى مصانع في الخارج.
وتحدث الطريف عن الرصيد الكبير من الأعلام السعودية القديمة التي يمتلكها، قائلا: «أحمد الله أن من أبرز مقتنياتي هي الأعلام السعودية، فأنا أملك أكثر من مائة علم قديم ونادر بمقاسات وأشكال وخامات مختلفة ولمراحل عمرية مختلفة، من أهمها أعلام الدولة السعودية الأولى والثانية، التي استخدمت في مراحل نشر الوحدة والأمن لهذه البلاد المباركة»، وأضاف: «عملت جاهدا على رصد أكبر عدد من الأعلام النادرة الخاصة بالملك عبد العزيز منذ دخوله مدينة الرياض، التي استخدمت خلال مناسبات أو فعاليات أو استقبالات حضرها جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه، إضافة إلى عدد من الأعلام الخاصة بسيارة جلالته، كما أنني امتلك أعلاما خاصة استخدمت في عهد الملك سعود بن عبد العزيز، رحمه الله، وداخل مقره وعلما خاصا بسيارته، بالإضافة إلى أعلام استخدمت في زيارة الملك فيصل لأميركا عام 1945 وأعلام قديمة في عهد الملك خالد والملك فهد في زيارات خارج المملكة».
وثائق نادرة وتفاصيل حصرية عن العلم السعودي
وأكمل: «ومن الأعلام المهمة لدي العلم الذي كان بين الملك فهد والملك سلمان بن عبد العزيز خلال الحفل الذي أقيم لجلالة الملك سعود بمناسبة توليه مقاليد الحكم في عام 1953، فقمت برصد الصور الخاصة بهذه الأعلام وقمت بفحص هذه الأعلام لدى أكبر المراكز في العالم لمعرفة صحتها وتاريخها وأصالتها، كما تم توثيقها لدى عدد من المهتمين، وكذلك الذين أوكل لهم حمل العلم (آل مطرف)، إضافة إلى ما يوضع أعلى السارية (الطاسة)، حيث أملك أكثر من 10 قطع من فضة ونحاس ومعدن استخدمت جميعها في عهد الملك عبد العزيز، ومن أبرز وأهم مقتنياتي المتعلقة بالعلم (الراية) وثيقة نادرة ووحيدة ممهورة بختم الملك عبد العزيز بعد دخوله مدينة الرياض بـ7 سنوات ذات علاقة بتفاصيل كثيرة عن العلم السعودي».
ويمتلك الطريف مقتنيات نادرة ومتاحف وإرثا تاريخيا، وعن ذلك بين: «خلال مسيرتي البحثية استطعت، ولله الحمد، أن أكون متحفا خاصا بالإبل وآخر للخيل، وثالثا للصقور، وهذه المتاحف تشتمل على قطع نادرة وقديمة أعمار بعضها تتجاوز 300 سنة، إضافة إلى الطوابع المتعلقة بكل فرع من كل دول العالم وكل ما كتب عنها بالصحف الأجنبية والعربية منذ عام 1850 وجميعها أصول، وكذلك الصور المتعلقة بالإبل والخيل والصقور من مائة سنة وإلى الآن، كما أنني جمعت قطعا متحفية من الأواني والأطباق والمباخر والدلال والساعات ولوحات السيارات الخاصة بمرحلة الملك عبد العزيز والملك سعود والملك فيصل والملك خالد، واستخدمت من قبلهم، كذلك قمت بجمع أبرز وأهم الهواتف التي استخدمت في القصور الملكية منذ عهد الملك المؤسس مرورا بملوك المملكة والعدد الكبير من القطع النادرة المتعلقة بتاريخ المملكة العربية السعودية وملوكها».
يحكي الطريف تفاصيل قصة رفض السعودية تنكيس العلم بعد وفاة ملك العراق فيصل الأول، وهو ما أثار غضب البريطانيين، موضحا في هذا الصدد أنه بعد تعيين الشيخ إبراهيم بن معمر وزيرا مفوضا للمملكة لدى العراق في 1923 بعد فترة وجيزة من افتتاح المفوضية، وكان اصطفاؤه في هذا المنصب الدبلوماسي في واحدة من أهم العواصم العربية المؤثرة في مصالح السعوديين أي بغداد، أظهر ثقة العاهل السعودي بكفاءته.
