تشهد المنطقة تصعيدا غير مسبوق بعد اعلان الولايات المتحدة واسرائيل الحرب على ايران وتصفية المرشد الايراني علي خامنئي مع كبار قادته العسكريين. لم تكن الحرب مفاجئة لكن سرعة الاحداث وتطوراتها المتلاحقة تركت تساؤلات حول موقف حلفاء ايران في المنطقة.

وبينما انخرط حزب الله اللبناني وفصائل عراقية في الصراع بقي موقف الحوثيين في اليمن محط انظار المراقبين. فبعد سنوات من الهجمات الجوية والبحرية على اسرائيل والسفن في البحر الاحمر اكتفى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بالدعوة للتظاهر وادانة مقتل خامنئي والتلويح بان ايادي جماعته على الزناد.

ومع هذا الترقب تزداد التساؤلات حول اسباب هذا الموقف خاصة وان الجماعة تعتبر الذراع الاقوى لايران في جنوب الجزيرة العربية. فهل هو تكتيك ام ارتباك وما هي الدوافع الحقيقية وراء هذا التريث؟

تفسيرات متباينة للتريث الحوثي

يرى محللون ان السبب الرئيسي هو الارتباك في ادارة المعركة من قبل النظام الايراني بعد الضربة المفاجئة التي استهدفت المرشد وقياداته. ويقول الباحث والاكاديمي اليمني فارس البيل ان عدم دخول الحوثيين الحرب ليس تكتيكا بقدر ما هو ارتباك نتيجة الضربة الكبيرة التي اصابت النظام.

واضاف البيل ان النظام الايراني بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة واصفا اطلاق الصواريخ بانه نوع من الفوضى العملياتية ما يعني ان العصب العسكري والهيكلية العسكرية تعرضا للخلخلة وفقدان زمام المبادرة والتماسك.

واكد الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند على مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي. وبين ان قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية قد فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة بناء على تطورات القصف الاميركي الاسرائيلي.

عوامل مؤثرة في قرار الحوثيين

واتفق معهم الباحث اليمني عدنان الجبرني المتخصص في الشؤون العسكرية موضحا ان انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر بشكل يومي ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية.

واشار الجبرني الى ان من بين هذه العوامل اصرار الرئيس الاميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على اسقاط النظام في ايران. واضاف البيل ان الاوضح هو موقف وتردد الحوثيين حتى الان وضبابية التصرف تسيطر عليهم.

واردف انهم لا يعرفون ما يقولونه بشكل واضح وبدا هذا التعثر والارتباك حتى في بيانات الحوثي بلا موقف واضح ولا حتى اتضاح خطط مقبلة ما يعني انه لم يتلق التعليمات الكاملة حتى الان وان حلقات تواصل وتوجيه قد فقدت فبدا الحوثي كما لو انه لا يعرف ماذا يفعل.

صراع داخلي وضغوط اقليمية

من جهته يرى المستشار الاعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني ان هناك معركة موازية تدور داخل اروقة الجماعة الحوثية. وقال ان هناك تيارا يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الاحمر.

واستدل البيضاني على ذلك بانه قد جرى بالفعل تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل ان يسارع جناح اخر داخل الجماعة الى نفيه في مشهد يعكس حالة من التخبط والارتباك. واشار الى وجود عامل خارجي مؤثر اذ يعتقد ان الحوثيين تلقوا نصائح اقليمية من وسطاء اقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة وانتظار نتائج المواجهة خلال الايام المقبلة.

وبين الباحث اليمني في شؤون الاعلام والاتصال صادق الوصابي ان الحوثيين يدركون ان توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم وقد يفتح عليهم ابوابا يصعب اغلاقها. واوضح ان الجماعة تعيش اصلا في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها وتعاني من اثار الضربات التي تلقتها مؤخرا سواء على مستوى القدرات العسكرية او البنية التحتية.

الحوثيون وحسابات البقاء

اضاف الوصابي ان احد ابرز عناصر قوة الجماعة وهو الدعم الايراني العسكري والمالي واللوجيستي لم يعد بالحجم نفسه في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والازمات المتسارعة التي تمر بها.

ويربط توفيق الجند الموقف الحوثي بحسابات وجودية. اذ يرى ان الرد الحوثي بدا نظريا وكلاميا عبر خطابات زعيم الجماعة لكنه يستدرك بالقول ان الموقف هذه المرة مختلف لعدة اسباب منها ان الحوثي لا يريد الظهور مدافعا عن ايران حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت اصلا دعما لطهران في اطار محور المقاومة.

واقرأ الجند مفارقة لافتة ولا يستبعد ان الحوثيين قد يرون انفسهم راسمال جوهريا يبنى عليه مستقبلا ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة ان تعرضت ايران والحرس الثوري لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من اطارها الجغرافي والتحول الى ميليشيات اقليمية قد تكون جبال اليمن مقرا لها.

تقييم استراتيجي للموقف الحوثي

واكد الجند انه اذا فكرت الجماعة بطريقة نفعية ونظرا لحجم الهجمات التي تتلقاها طهران فالجماعة قد لا تفكر سوى بحبل النجاة واستثمار خسائر طهران لرفد قدراتهم البشرية والتسليحية بوصف ذلك ملاذا لبقايا قوة الدولة المارقة ليرى عبد الملك الحوثي نفسه خامنئي جديدا على المذهب الزيدي هذه المرة.

واضاف الجند ان الهجوم الاميركي والاسرائيلي على ايران كان قويا والحوثيون خائفون على انفسهم اكثر من اي وقت مضى بالنظر الى ما حدث للمرشد الايراني وكبار قادته ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها.

وفي سياق متصل يرى المحللون ان الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل غرفة عمليات المحور. ويقول عدنان الجبرني ان الجماعة جاهزة للتدخل منذ اليوم الاول مشيرا الى ان تاخرها يعود الى تقديرات ايرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية من دون استنفاد جميع اوراق الضغط دفعة واحدة.

مستقبل الصراع ودور الحوثيين

واضاف الجبرني ان الموقف قد يتغير في حال تعرض حزب الله لضربة قاسية نتيجة انخراطه في اسناد ايران او اذا تعرض الحوثيون انفسهم لضربة استباقية مؤكدا انه حتى في حال لم يتحقق اي من هذه العوامل وطلبت ايران تدخل الحوثي فلن يتردد.

ويرى الباحث والاستشاري في شؤون الامن الاقليمي والدفاع والحرب والسلام ابراهيم جلال ان السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف ايران احتمالا قائما بقوة. وقال جلال ان ايران انشات ما يعرف بمحور المقاومة لهذه اللحظة التاريخية بالذات لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط الى البحر الاحمر.

واضاف جلال ان الحوثيين ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار مرجحا ان ينضموا الى المواجهة بعد انخراط حزب الله اللبناني وبعض الميليشيات العراقية وتساءل هل يمكن ان يكون هؤلاء اوفى لطهران من الحوثيين؟.

خيارات الحوثيين في ظل التصعيد

ويرى جلال ان التطورات الحالية تمثل لحظة فارقة في مسار الحركة الحوثية العابرة للحدود فاما ان يؤكد الحوثيون عمقهم الايديولوجي ضمن المحور او يختاروا التنازل عن ايران التي انهكت فعلا خلال الجولة الاخيرة.

ويرجح فارس البيل ان دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الايراني في ادارة المعركة في الايام المقبلة مشددا على ان الحوثي سيدفع به الى ممارسة اي عمل عسكري باعتباره استثمارا طويلا ومكلفا لدى النظام الايراني ولن يوفره في لحظات نزعه الاخير.

ويشير البيضاني الى ان الكفة تميل حتى الان لصالح الجناح الحوثي المطالب بالمشاركة في المواجهة خصوصا بعد تجاوز الصدمة. ويقول مع شروع كل من حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني في الانخراط في القتال لا يستبعد ان يعلن الحوثيون مشاركتهم ما لم تطرا تطورات متسارعة في طهران مثل اندلاع احتجاجات شعبية واسعة او وقوع انشقاقات كبيرة داخل الحرس الثوري.

تداعيات محتملة على اليمن

ويرى صادق الوصابي ان الحوثيين قد يلجاون الى تحركات محدودة لاظهار استمرارهم ضمن المحور مثل تنفيذ هجمات في البحر الاحمر او اطلاق مسيرات باتجاه اسرائيل محذرا من ان اي تورط قد يغير حسابات الاطراف الاخرى.

ويقول ان الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها قد يجدان في ذلك فرصة للضغط على الجماعة سياسيا وعسكريا خصوصا اذا ارتبطت تحركات الحوثيين بشكل مباشر بتهديد الملاحة الدولية او امن المنطقة. لكنه يقر بان اي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تبعات خطيرة على اليمن خصوصا في ظل الوضع الانساني والاقتصادي الماساوي الذي يعيشه السكان.

وفي الختام يرجح المراقبون للشانيين اليمني والاقليمي ان الحوثيين في حال قرروا استئناف هجماتهم البحرية او شن صواريخ باتجاه اسرائيل فان الرد الاميركي والاسرائيلي سيكون اكثر عنفا هذه المرة وبخاصة ان واشنطن وتل ابيب تخوضان حرب وجود مع ايران نفسها فضلا عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الاقليمي وردود الفعل المتوقعة.