تواجه الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني تحديات كبيرة في تنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية التي تعهدت بها، وذلك بهدف استعادة ثقة الشعب والمجتمع الدولي، وياتي هذا في ظل تفشي الفساد الذي صنفه تقرير دولي ضمن أسوأ خمس دول في العالم في مكافحة الفساد، ويؤكد خبراء أن التحدي يتجاوز مجرد الإرادة السياسية، ليصل إلى بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.
وتبين التقارير أن اليمن تحتل مرتبة متدنية في مؤشرات مكافحة الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من بين 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، ويعكس هذا التصنيف حالة الانهيار في نظام الحكم والمساءلة الذي تعاني منه الدولة بسبب الحرب، بالإضافة إلى انتشار الرشوة والممارسات غير القانونية.
وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطا داخلية وخارجية لتحقيق تقدم حقيقي في مكافحة الفساد، خاصة أن الدعم الدولي مشروط بإجراء إصلاحات مالية ومؤسسية، وتعمل الحكومة في بيئة سياسية وأمنية معقدة تجعل أي إصلاح شامل أمرا صعبا بسبب توازنات القوى المتداخلة.
تحديات الإصلاحات الحكومية في اليمن
وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديد، شائع الزنداني، في بداية هذا الشهر، بإعطاء الأولوية لمكافحة الفساد، وتعزيز أداء المؤسسات، وتحسين مستوى معيشة المواطنين والخدمات المقدمة لهم، بالإضافة إلى تسريع الإجراءات ورفع كفاءة الأداء.
واكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعد ممكنا حصر مكافحة الفساد في إجراءات محدودة أو حملات إعلامية، بل يجب إعادة بناء نظام الحوكمة المالية وهيكل مؤسسي واضح يربط بين السياسات المالية والنقدية، ويعزز الشفافية والمساءلة في إدارة الأموال العامة.
ويوضح النجار أن الحكومة تعمل على مسارات متكاملة مع شركاء دوليين مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتركز الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة، وضبط الإنفاق، وتطوير آليات التحصيل، وهو ما يظهر في العديد من المشاريع التي تدعم التوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.
الفساد في اليمن: من الإدارة إلى اقتصاد الحرب
وبينما لا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة وتفتقر إلى الاستقلالية الكاملة، فإن تنفيذ إجراءات مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعال يظل أمرا صعبا في ظل ضعف سيادة القانون.
ويبدو أن تراجع اليمن في مؤشر الفساد يعكس تحول الفساد من مجرد ظاهرة إدارية إلى عنصر أساسي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الوضع، فإن أي حلول مالية أو نقدية ستكون محدودة الأثر ما لم تعالج العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.
ويقدم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، تحليلا بنيويا لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد قبل الحرب لم يكن انحرافا عن النظام، بل كان جزءا من آليته التشغيلية.
تأثير الحرب على تفشي الفساد
ووفقا لتحليل شمسان، كان الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبالتالي، لم تكن مكافحة الفساد خيارا واقعيا داخل النظام لأنها كانت ستمس أسسه.
وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءا من اقتصاد الحرب ومصدرا رئيسيا للريع والتمويل، وتمركز في قطاعات سيادية حاسمة مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.
وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، بالإضافة إلى فساد في عقود الإمداد وتهريب الوقود والسلاح، فضلا عن إبرام عقود غير شفافة في قطاع الطاقة وإيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.
الاصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد
وفي ظل هذه التعقيدات، انخفض سعر العملة اليمنية بشكل كبير، مما تسبب في انهيار القدرة الشرائية وتدهور مستوى المعيشة بسبب سوء إدارة سعر الصرف ونهب الإيرادات وشبكات التحويل غير القانونية، كما تفشى الفساد في عقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.
ومن جانبه، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئا، بل هو تأكيد رقمي على انهيار مؤسسات الدولة.
ويلفت المساجدي إلى أن المؤشر يقيس الرشوة ويعكس ضعف الحوكمة وتسييس الموارد العامة وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة، ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضاربا في القرارات وإضعافا لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصا في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، مما شوه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.
ويبين المساجدي أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة وارتفاع تكلفة الاستيراد وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل، وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن لم تقتصر على تقديم الدعم المالي، بل تضمنت شروطا لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، فإنه يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزا أكبر على عدد من الإجراءات العملية، كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة وتوسيع نطاق الرقمنة.
ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعليا محاربة الفساد، وضمن اقتصاد الحرب، يصبح الفساد عقلانيا ومربحا ومحميا بالقوة، مما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كاف ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءا من اقتصاد الحرب.
ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن، لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.
