في خضم الحروب الحديثة، لم تعد ساحات المعارك مقتصرة على الأرض والجو، بل امتدت لتشمل الفضاء السيبراني، فقد اصبح قطع الانترنت او تقييده سلاحا استراتيجيا يعرف بـ "الاظلام الرقمي"، وهو تكتيك يهدف الى عزل المدنيين، ومنع تدفق اخبار الانتهاكات، وتعطيل التنسيق الاغاثي.
وبحسب تقرير لمنظمة "اكسيس ناو"، فقد شهد العالم ارتفاعا ملحوظا في حالات قطع الانترنت المتعمد اثناء النزاعات المسلحة.
وفي هذا السياق، نسعى لاستعراض خريطة تقنية، مبنية على تجارب ميدانية من مناطق تشهد نزاعات، لتمكين الافراد من البقاء على اتصال وتجاوز الرقابة الصارمة.
كسر القيود الرقمية: استراتيجيات تجاوز الحظر والرقابة
عندما تفرض السلطات حظرا جزئيا على منصات التواصل او تعمد الى "خنق السرعات"، فان المعركة تصبح تقنية بامتياز بين انظمة الرقابة وادوات التشفير.
تشير تقارير مختبر "سيتيزن لاب" بجامعة تورنتو الى ان انظمة الحجب الحديثة تستخدم "فحص الحزم العميق" للتعرف على حركة المرور باستخدام برامج "الشبكة الخاصة الافتراضية" وحظرها، والحل هنا يكمن في استخدام بروتوكولات مثل "في 2 راي" و"شادوسوكس" او ميزة "التخفي" في تطبيقات مثل "بروتون في بي ان".
و هذه التقنيات تقوم بتغليف بياناتك المشفرة داخل طبقة تبدو كانها تصفح عادي لموقع اخباري او بريد الكتروني، مما يجعل من المستحيل على خوارزميات الحجب رصدها.
ثورة سنوفليك ومشروع تور: أدوات للوصول الآمن
يعتبر متصفح "تور" الملاذ الاكثر امانا للصحفيين والنشطاء، وفي عام 2024، اصبحت ميزة "سنوفليك" هي الاداة الاكثر فتكا بالرقابة، فهي تسمح للمستخدم في بلد محظور بالاتصال بالانترنت عبر متطوعين من حول العالم يحولون متصفحاتهم الى جسور مؤقتة.
ووفقا لبيانات مشروع "تور"، ساعدت هذه التقنية ملايين المستخدمين في تجاوز جدران الحماية العظيمة في مناطق النزاع.
تعتمد ابسط طرق الحجب على تزييف سجلات "دي ان اس"، والذي هو بمثابة "دفتر عناوين" لشبكة الانترنت، حيث ينصح خبراء التقنية بتغيير اعدادات الجهاز يدويا لاستخدام مزودي "دي ان اس" مشفرين مثل كلاود فلير او غوغل، مما يمنع مزود الخدمة المحلي من اعتراض طلبات المواقع التي تزورها.
التواصل في الظلام الدامس: تقنيات الشبكات المتداخلة
التحدي الاكبر يكمن في "القطع الكلي" للخدمة وتدمير الابراج، وهنا تبرز تقنية الشبكات المتداخلة بوصفها بديلا لاجهزة الراوتر والشبكات التقليدية التقليدية وتشكل بديلا ثوريا لا يحتاج الى بنية تحتية، وابرز هذه التقنيات:
تطبيقات مثل "بريدجيفاي" و"براير" تعتمد على تقنية البلوتوث و"واي فاي دايركت" لتحويل الهواتف الذكية الى "عقد"، بحيث اذا ارسل شخص رسالة، فانها تنتقل من هاتفه الى هاتف شخص اخر قريب، ثم الذي يليه، حتى تصل الى الهدف، وتشير تقارير الى ان هذه الشبكة تصبح اقوى كلما زاد عدد المستخدمين في منطقة جغرافية واحدة مثل مراكز الايواء او الاحياء السكنية.
وتتميز خدمة "براير" بانها لا تعتمد على خادم مركزي، حيث تتم مزامنة البيانات مباشرة بين الاجهزة عند الاقتراب، هذا الامر يجعلها محصنة ضد الرقابة الحكومية تماما، كما اثبتت فاعليتها في السودان خلال انقطاعات سابقة.
الحلول الفضائية والحدودية: بدائل للاتصال المستقل
عندما تفشل جميع الحلول الارضية، يبقى الاتصال الفضائي هو النافذة الوحيدة.
احدثت منظومة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس اكس" الامريكية ثورة في مفهوم اتصالات الحرب، ورغم حاجتها لاجهزة استقبال خاصة، الا ان سهولة تشغيلها عبر البطاريات او الطاقة الشمسية جعلتها "رئة رقمية" في جبهات القتال والمناطق المنكوبة.
في المناطق القريبة من الحدود، يوصي تقرير باستخدام شرائح الاتصال الالكترونية التي تعمل على شبكات دول الجوار، فهذه الشرائح تلتقط الاشارة العابرة للحدود وتوفر وصولا مباشرا للانترنت بعيدا عن تحكم المزود المحلي.
حقيبة الطوارئ الرقمية: خطوات الاستعداد المسبق
تؤكد منظمة ان النجاة الرقمية تتوقف على ما تفعله قبل اندلاع الازمة.
وتتضمن "حقيبة الطوارئ" تحميل نسخ كاملة من ويكيبيديا وخرائط غوغل للاستخدام دون اتصال، وحفظ كتب الاسعافات الاولية وادلة البقاء، وامتلاك راديو يعمل بالبطاريات لاستقبال الاذاعات الدولية التي تظل المصدر الاكثر صمودا للاخبار عند انهيار الشبكات.
رغم كل ما سبق، يقول الخبراء ان معركة الوصول الى المعلومات في زمن الحرب هي معركة ارادة تقنية، حيث تدور بين بروتوكولات التشفير المتقدمة وتقنية الشبكات المتداخلة اللامركزية، فيما يمتلك الانسان المعاصر ادوات لم تكن متاحة في الاجيال السابقة، لكن يبقى الوعي بهذه الادوات والتدرب عليها مسبقا هو الفارق الحقيقي بين العزلة القاتلة والقدرة على ايصال الصوت للعالم.
