من أرض النوبة في جنوب مصر، حيث تمتزج العادات والتراث، يظهر المطبخ النوبي حاملا دفء المكان وبساطة أهله في كل وصفة. من بين هذه الوصفات المتوارثة يبرز طبق الملوخية بالبيض، أو "جسكتي بالجاكود" كما يسميها أهل النوبة.

يتميز المطبخ النوبي بأسلوبه الخاص في طرق الطهي وتنسيق النكهات، مما يجعله بصمة فريدة في عالم الطهي. تعكس هذه الأطباق تاريخا طويلا من التقاليد والعادات المتوارثة عبر الأجيال.

قالت سماح عبد المؤمن، إحدى سيدات النوبة بقرية أبو هور، إن مشاركة هذه الوصفات حتى اليوم تعد وسيلة مهمة للحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال القادمة. وأضافت أن المطبخ النوبي يعتز بأصالته وتفرده.

أسرار تحضير الملوخية بالبيض النوبية

أوضحت سماح أن من بين الأكلات المتوارثة في النوبة يبرز طبق الملوخية بالبيض، فعلى الرغم من شهرة الملوخية في معظم البيوت المصرية، فإن الطريقة النوبية تمنحها مذاقا فريدا وروحا مختلفة. وبينت أن هذا الطبق يحظى بشعبية كبيرة في المنطقة.

وعن طريقة تحضير هذا الطبق، أوضحت سماح أن مكونات "الجاكود" بسيطة، إذ يجهز إناء يحتوي على ماء أو مرق مع الملح وبصلة، ويترك على النار حتى الغليان. ثم تضاف أوراق الملوخية مع بعض أوراق الكزبرة الخضراء والشبت بعد تقطيفها وغسلها جيدا، ويضاف إلى الخليط قليل من "الكربوناتو"، ويترك على النار مع الحرص على عدم تغطية الإناء لتجنب الفوران.

وبعد نضج الخضروات، تفرك بالمِفراك، وهي طريقة تختلف عن استخدام "المخرطة" في القاهرة والوجه البحري، حيث تخرط الملوخية وتفتت قبل إضافتها إلى الماء أو المرق. وأشارت إلى أن هذه الطريقة التقليدية تضفي نكهة خاصة على الملوخية.

أداة الفرك النوبية: "النِبر" أو المِفراك الخشبي

تُعرف أداة الفرك في النوبة باسم "النِبر" أو المِفراك الخشبي، ولا تزال المرأة النوبية تستخدمها حتى اليوم في إعداد "الأتر" أو "الجاكود" النوبي، وكذلك البامية الويكة. وهي عبارة عن عصا خشبية، غالبا ما يعلوها بروز خشبي على شكل وردة، تمسك بين اليدين وتدار بسرعة داخل الإناء لفرك أوراق الملوخية وتفتيتها حتى الوصول إلى قوام هلامي مميز.

وبعد فرك الملوخية، تضيف سماح "الطشة"، وهي الثوم المفروم والمقلي في السمن مع ملعقة من الكزبرة الجافة المطحونة. أما "الجاسكتي"، أو البيض المقلي، فلا تختلف طريقة تحضيره عن الأسلوب التقليدي المتبع في أماكن أخرى، حيث يخفق ثلاث بيضات وتسكب في مقلاة على النار تحتوي على قليل من زيت الزيتون أو السمن البلدي، ويُرك البيض حتى ينضج حسب الرغبة، مع إضافة الملح والفلفل الأسود. وفي الخطوة الأخيرة، تضاف الملوخية المحضرة مسبقا إلى البيض.

"عيش الدوكة": الخبز النوبي المرافق للملوخية

يفضل النوبيون تناول طبق الملوخية بالبيض مع خبز نوبي رقيق يعرف باسم "عيش الدوكة". يحضر هذا الخبز بمكونات بسيطة، حيث يتم مزج كوب من الدقيق مع كوب من الماء ونصف ملعقة صغيرة من الملح ونصف ملعقة صغيرة من الخميرة الفورية أو مسحوق الخبز حتى يصبح الخليط سائلا أخف قليلا من الطحينة. وبعد أن يتخمر لمدة ساعة أو نصف ساعة، يصب جزء من الخليط على صاج الدوكة ويفرد عليها تماما مثل تحضير الكريب في مقلاة غير لاصقة. والدوكة موجودة في كل البيوت النوبية وهي عبارة عن لوح من صاج حديدي يأخذ الشكل الدائري يوضع علي النار ويفرد عليه العجين.

رأي خبراء التغذية في الملوخية بالبيض

تقول اختصاصية التغذية، الدكتورة جهاد فؤاد، قد نستخدم جميعا نفس المكونات عند الطهي، في حين تختلف الأذواق من مكان لآخر ومن شخص لآخر ويتحكم في ذلك عادات وتقاليد متوارثة، لذا فإن أهم معيار هو الفوائد الصحية التي تقدمها الوجبة.

تشير فؤاد إلى أن الملوخية بالبيض تجمع بين الطعم والقيمة الغذائية العالية، وتعتبر وجبة متكاملة إذا أعدت بطريقة صحيحة. فالملوخية مصدر غني بالألياف التي تحسن عملية الهضم، وتحتوي على فيتامين إيه الضروري لصحة الجلد والعين، وفيتامين إي المضاد للأكسدة، إلى جانب معادن أساسية مثل المنجنيز والفسفور.

كما تضيف التقلية المكونة من الثوم والكزبرة الجافة بعدا صحيا للطبق، إذ يعمل الثوم كمضاد حيوي طبيعي ويساعد في خفض ضغط الدم، بينما تعزز الكزبرة الهضم. أما البيض كجزء أساسي من الوصفة، فيعتبر من أفضل مصادر البروتين الكامل، حيث يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، فضلا عن غناه بعنصر الكولين الداعم لصحة الدماغ، وفيتاميني بي 12 ودي.

نصائح لتناول الملوخية بالبيض بطريقة صحية

أكدت فؤاد أن هذا الطبق يكتمل غذائيا عند تناوله مع خبز القمح الكامل أو خبز الدوكة النوبي، شرط الالتزام بطهي المكونات جيدا لضمان القضاء على أي ميكروبات محتملة. ورأت أن وجبة الغداء هي الوقت الأمثل لتناول هذا الطبق، نظرا لقدرة الألياف والبروتين على منح الشعور بالشبع لفترة طويلة وتزويد الجسم بالطاقة دون الشعور بالخمول.

وتنصح بتجنب تناوله في وقت متأخر من الليل وخاصة لمن يعانون من ارتجاع المريء، كما تقترح إضافة قطرات من عصير الليمون على الملوخية لتعزيز امتصاص الحديد بها.

واختتمت الدكتورة فؤاد حديثها بالإشارة إلى أن ما قد يبدو غريبا أو غير مألوف للبعض هو في حقيقته نموذج للاستدامة الغذائية التي اتبعتها المجتمعات القديمة، حيث استخدمت مكونات بسيطة ومتاحة لتعظيم القيمة الغذائية. وأكدت أن إضافة البيض للملوخية تعد وسيلة ذكية من المرأة النوبية لرفع محتوى البروتين بتكلفة أقل من اللحوم مع الحفاظ على انسجام الطعم والقوام، لتصبح الملوخية بالبيض وجبة تراثية صحية ومتوازنة في آن واحد.