لم تكن قمة الويب مجرد محفل تقني للشركات الفلسطينية الناشئة، بل كانت فرصة لإثبات إمكانية تجاوز الحواجز الجغرافية والسياسية بالاعتماد على الابتكار الرقمي.

وفي لقاءات خاصة، كشف مبدعون من غزة والقدس ورام الله عن حلول سيادية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ورقمنة الخدمات. وأكدوا أن العقل الفلسطيني يصدر تكنولوجيا قادرة على المنافسة عالميا وتحقيق الاستدامة الاقتصادية رغم كل المعوقات.

تشيرن سولوشنز والبرمجيات كخدمة

برزت منصة تشيرن سولوشنز كأداة لمعالجة معدل الفقد، الذي يمثل تحديا كبيرا لنموذج البرمجيات كخدمة.

وتهدف المنصة إلى حل مشكلة خسارة المشتركين التي تواجه شركات البرمجيات ذات الاشتراكات الشهرية. وتعتمد على تقديم حلول استباقية تبدأ عند قرار المستخدم إلغاء اشتراكه.

وتقود ولاء كاشو، بصفتها رئيسة قسم المنتجات، تطوير المنصة التي تعتمد على نظام ذكي لتقسيم العملاء. وقالت كاشو إن كل مستخدم يوجه إلى مسار إنقاذ مخصص يتناسب مع احتياجاته.

ميرور وبراءة اختراع مقدسية

ولا تكتفي المنصة بذلك، بل تعمل كأداة تحليلية تمنح الشركات فهما عميقا لأسباب المغادرة عبر تحليلات بيانية دقيقة، مما يحول إلغاء الاشتراك إلى فرصة لتطوير المنتج. وأكدت أن فريقها المكون من 10 متخصصين أثبت كفاءة الكادر الفلسطيني في هذا القطاع التقني المعقد.

ومن القدس، ظهرت قصة المهندس محمود صندوقة عبر شركة ميرور المتخصصة في الأمن السيبراني. وتسعى الشركة التي انطلقت عام 2022 لإعادة صياغة مفهوم تداول المعلومات وحمايتها عبر ابتكار تقني حصلت بموجبه على براءة اختراع مسجلة عالميا.

وتضع ميرور طبقات أمان إضافية تحول دون اختراق الأجهزة والمنصات الرقمية.

صالون ورقمنة قطاع التجميل

وتطرح ميرور بديلا تقنيا يغني المؤسسات الكبرى عن الاستثمارات الباهظة في السيرفرات الضخمة وأنظمة الأمن التقليدية، من خلال نظام التكامل والربط البيني الذي يتيح إدارة البيانات وحمايتها بكفاءة عالية وتكلفة أقل.

وكشف صندوقة عن اهتمام ملحوظ من مؤسسات قطرية، وفي مقدمتها مؤسسة حمد الطبية، بتبني هذه التكنولوجيا لحماية المعلومات الشخصية والطبية. ووصف تواجد شركته في الدوحة بأنه نافذة واسعة لكسر الجدار النفسي والتقني الذي فرضه الاحتلال على المقدسيين.

وفي مسار رقمنة الخدمات التقليدية، نجحت منصة صالون في تقديم نظام متكامل لرقمنة وتنظيم أعمال مراكز التجميل. وأوضح مهندس البرمجيات يزن الكركي أن التطبيق يدير الحجوزات وملفات الزبائن والموظفين وأدوات التسويق الرقمي.

سراج وواقع افتراضي لرسم الخرائط المهنية

وانطلقت المنصة من رام الله عام 2019، ونجحت في إثبات كفاءتها في السوق الفلسطيني قبل التوسع إلى الأردن ومصر. ومن خلال قمة الويب، أعلن الفريق بدء إجراءات التسجيل الرسمي لدخول السوق القطري بعد بناء شبكة علاقات مع مراكز تجميل وشركات تقنية في الدوحة.

وتطمح المنصة لتصدر قائمة مقدمي الحلول التقنية في صناعة التجميل على مستوى الوطن العربي كخطوة أولى تمهيدا للعالمية.

ووظفت منصة سراج تقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي لحل فجوة التوجيه المهني لطلبة المدارس من الصف التاسع حتى الثاني عشر.

وأوضحت ممثلة المنصة، سارة ديه، أن النظام يعتمد على اختبارات تحليل الشخصية، ثم مستشار ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يقدم نصائح مخصصة، وصولا إلى تقنية الواقع الافتراضي التي تسمح للطالب بمعايشة يوم عمل كامل في وظيفته المستقبلية.

تاب والتوظيف عن بعد

وتسعى المنصة التي تتخذ من رام الله وعمّان مقرا لها، لحل مشكلة عالمية تواجه الطلاب، وهي الحيرة في اختيار التخصص الجامعي. وتؤكد سارة أن الطموح والإيمان بالهدف هما المحرك الأساسي للفريق رغم ظروف الاحتلال، مشيرة إلى أن التوسع في الخليج العربي هو الهدف القادم للمنصة بعد قمة الويب.

وفي ظل التحديات القاسية بقطاع غزة، تعمل منصة تاب كجسر لتمكين المواهب من الوصول إلى وظائف قطاع التكنولوجيا العالمي. وأوضحت نور زقوت، مديرة المجتمع في المنصة، أن تاب تهدف لتدريب الخريجين في مجالات البرمجة والتسويق الرقمي وتشبيكهم مع فرص عمل دولية تكسر حواجز الحصار.

ورغم تدمير البنية التحتية ومساحات العمل في غزة بسبب الحرب، أعلنت المنصة عن مشروع طموح لتدريب 600 فلسطيني هذا العام. وأشارت زقوت إلى أن الحل الأمثل لمواجهة البطالة المتفاقمة يكمن في العمل عن بعد، حيث نجحت المنصة سابقاً في توظيف 80% من خريجيها في أسواق أوروبا والخليج.

فرص ورقمنة التوظيف واستقطاب المواهب

ووفقا لزقوت، فقد أثمر تواجد تاب في القمة عن جذب مستثمرين وموجهين دوليين لدعم إرادة الشباب الغزي الذي يصر على التفوق مهنيا رغم الدمار.

وتستهدف منصة فرص، التي تقودها صفاء عياد، أتمتة دورة التوظيف الكاملة للشركات. وتعمل المنصة التي تأسست في رام الله عام 2022، حاليا في الأردن وسوريا وعُمان والإمارات، وتقدم فرص حلولاً تكنولوجية تُسهل استقطاب المواهب، مع تركيز خاص على تشبيك الشركات الإقليمية بالكفاءات الفلسطينية المتميزة.

ويضم فريق المنصة 11 مختصا، يركز أكثر من نصفهم على التطوير التقني. وتهدف المشاركة في الدوحة إلى استقطاب استثمارات جديدة وتدشين عمليات الشركة رسميا في قطر. وتؤكد عياد أن الطموح هو تحويل فرص إلى أكبر منصة عربية في قطاع التوظيف الرقمي، مع الحفاظ على هويتها كمنصة داعمة للمواهب الشابة التي ولدت من رحم التحديات الفلسطينية.

هذه النماذج الستة تثبت أن قطاع التكنولوجيا الفلسطيني لم يعد مجرد قطاع ناشئ، بل هو مختبر ابتكار ينتج حلولا تنافسية عالمية. ونجاح هذه الشركات في كسر الحصار الجغرافي عبر نوافذ قطر التقنية، يؤسس لمرحلة جديدة من السيادة الرقمية العربية، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتحرر الاقتصادي وربط الكفاءات المحاصرة بفرص العالم الواسع. مؤكدة أن الكود قد يكون في أحيان كثيرة أقوى من الجدران والحدود.