لم يعد اختراق الحدود هزيمة للدول بل ان الهزيمة حين يُعاد تشكيل وعيها الرقمي من الداخل. ولم تعد الحروب تُقاس بالحدود أو الجيوش، بل بقدرة الخصوم على تحريف البيانات، واستهداف نماذج التعلم الآلي، وتوجيه أنظمة اتخاذ القرار.
ففي هذا العصر الذي تحوّل فيه الذكاء الاصطناعي إلى عقلٍ موازٍ للدولة، أصبحت الخوارزميات بنية سيادية غير مرئية تُصاغ داخلها القرارات وتُعاد عبرها هندسة الواقع. ومن هنا، لم يعد الخطر في سقوط الأنظمة، بل في انحراف المنطق الذي يحكمها حين تُمسّ نزاهة العقل الاصطناعي دون أن تُمسّ الشبكات.
أخطر أشكال العدوان المعاصر لا يُعطّل النظام بل يُقنعه بالكذب. فحين تُسمَّم البيانات وتُزرع تحيّزات دقيقة في نماذج التنبؤ، تستمر الدولة في العمل بكفاءة ظاهرية بينما تُقاد سياساتها نحو استنتاجات مُصطنعة. هنا لا يُختطف النظام، بل يُختطف القرار، وتتحول الخوارزمية من ضمير حسابي إلى شاهد زور يتكلم بلغة العقل ويخدم منطقاً خفياً.
في هذا المشهد، من الواضح ادراك الأردن أن التحول الرقمي بلا سيادة خوارزمية يُعد مخاطرة وجودية في وسط إقليم ملتهب.
لذا فإن الأردن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني كجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، حيث تتقدم حماية القرار الرقمي جنباً إلى جنب مع حماية الحدود، ويُنظر إلى البيانات والخوارزميات باعتبارها موارد سيادية لا تقل حساسية عن الأرض.
ولا شك انه حين تعتمد الدول على الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات واستشراف المخاطر، يصبح التلاعب بالخوارزميات اغتيالاً صامتاً للسيادة، إذ لم يعد القرار يُتخذ في الغرف المغلقة وحدها، بل داخل معادلات من يملك مدخلاتها يملك مخرجاتها. هذا التهديد، الغائب عن الخطاب العربي والحاضر بقوة في مراكز التفكير الأجنبية، يفرض على الدول الساعية للتحول الرقمي أن تنتقل من حماية الشبكات إلى حماية الحقيقة الرقمية ذاتها.
إن أي تلوث للخوارزميات يعيد صياغة أولويات الدولة، ويحوّل التحليل الاستشرافي إلى وهم مُبرمج، فتُستنزف إرادتها قبل أن تُفقد أرضها. في هذا السياق، السيادة الرقمية ليست مجرد حماية للبنى التحتية، بل ضمان نزاهة الخوارزميات واستقلالية الذكاء الاصطناعي في توجيه القرار الاستراتيجي، ومن يسيطر عليها يكتب مصير الدولة في صمت. إن أخطر الحروب القادمة لن تُعلن ولن تُرى، لكنها ستُدار داخل الخوارزميات.
ومن لا يحمي عقل دولته الاصطناعي، سيخسر قراره قبل أن يخسر معركته.