فتح النائب الكباريتي ملف شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ، كاشفًا عن سلسلة تجاوزات خطيرة لا يمكن التعامل معها كأخطاء إجرائية عابرة، بل كمؤشرات مقلقة على خلل عميق في الحوكمة والإدارة.
أولى هذه التجاوزات تمثّلت في تمديد عقد صيانة أحد الكرينات مع ذات الشركة السابقة، دون استدراج عروض، وبزيادة على قيمة العقد الأصلي تُقدَّر بحوالي 200 ألف يورو، في مخالفة صريحة للتشريعات الناظمة للعطاءات والإنفاق العام، وضرب مباشر لمبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص.
الأخطر من الجانب المالي، أن الكتاب الصادر بخصوص التمديد لم يحمل توقيع رئيس مجلس الإدارة، ما يطرح تساؤلات جدية حول آلية اتخاذ القرار داخل الشركة، ويعزز الانطباع بأن المؤسسة تُدار بعقلية الفرد لا بعقلية الدولة، وبمنأى عن الرقابة المؤسسية والمسؤولية الجماعية.
وتزداد خطورة الملف حين نعلم أن الكرين ذاته كان سببًا في وفاة شاب في عزّ شبابه، وهي حادثة لا يجوز أن تُطوى صفحاتها بعقود تمديد ومراسلات ناقصة التوقيع، وكأن الأرواح تُدار بمنطق الإهمال ذاته الذي تُدار به العقود.
إن هذا الملف لا يقتصر على أرقام أو توقيعات غائبة، بل يتصل مباشرةً بسلامة العاملين، وبأرواح فقدت، وبمؤسسة سيادية يفترض أن تكون نموذجًا في الالتزام بالقانون.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
من يوقّع؟ من يقرّر؟ ومن يتحمّل المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية؟
فتح الملف خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن إغلاقه دون محاسبة حقيقية سيكون شراكة في الخطأ، ورسالة سلبية لكل من لا يزال يعتقد أن المال العام وسلامة الناس يمكن تجاوزهما بتوقيع ناقص… أو بلا توقيع