تعيش اليمن اليوم واحدةً من أكثر لحظاتها التاريخية قسوةً وتعقيداً؛ حربٌ طويلة لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية للدولة، بل أصابت الروح الجمعية للمجتمع اليمني في صميمها.
سنوات من القتال أنهكت الاقتصاد، ومزّقت النسيج الاجتماعي، ودفعت الملايين إلى هامش الحياة بين الفقر والجوع وفقدان اليقين.
وفي كل مرة لاحت فيها بارقة تهدئة، كانت سرعان ما تتبدّد أمام هشاشة التفاهمات وتضارب الأجندات، ليعود المشهد إلى نقطة الصفر، وكأن اليمن محكوم بدوامة استنزاف بلا أفق.
غير أن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تكشف متغيراً نوعياً لا يجوز التقليل من شأنه: عودة الحديث الجاد عن الحل السياسي بوصفه المسار الوحيد الممكن، لا كخيارٍ ترفي، بل كضرورة فرضتها حقائق الميدان وتجارب العقد الماضي.
لقد أثبت الزمن، وبكلفةٍ إنسانية باهظة، أن السلاح لا يبني دولة، وأن الغلبة لا تُنتج سلاماً، وأن أي تسوية لا تقوم على التوافق ستبقى مؤقتة وقابلة للانفجار.
في هذا السياق، تبرز اليوم مبادرة لعقد مؤتمرٍ يمني – يمني في الرياض، تقوده المملكة العربية السعودية، بهدف جمع الأطراف اليمنية على طاولة واحدة، وإعادة إطلاق مسار تفاوضي يعيد تعريف الصراع باعتباره أزمة سياسية قابلة للحل، لا حرباً مفتوحة بلا نهاية.
إن اختيار الرياض ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل يحمل دلالات سياسية عميقة، تعكس إرادة في إنتاج حل عربي من داخل الإقليم، يستند إلى فهمٍ أدقّ لتعقيدات المجتمع اليمني، بعيداً عن وصفات جاهزة أثبتت محدوديتها.
هذه المبادرة لا تنطلق من فراغ، بل من قناعةٍ باتت شبه جامعة: لا حل عسكرياً في اليمن، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر حوار شامل، يضمن مشاركة مختلف القوى اليمنية في صياغة مستقبل بلدهم، ضمن معادلة توازن بين الواقعية السياسية والعدالة الاجتماعية.
وهي، في جوهرها، امتداد لمسارٍ عربي عقلاني بدأ مبكراً، وكان الأردن في طليعة من أسّس له.
فعند العودة إلى جذور التعاطي العربي مع الأزمة اليمنية، يبرز الدور الأردني بوصفه نموذجاً للدبلوماسية الهادئة بعيدة النظر. ففي عهد المغفور له الملك حسين بن طلال، تعامل الأردن مع اليمن لا كساحة صراعٍ بالوكالة، بل كقضية سياسية إنسانية تمس الأمن القومي العربي برمته.
أدرك المغفور له الملك حسين طيب الله ثراه، بحسه الاستراتيجي المعروف، أن ترك اليمن ينزلق إلى صراعٍ مفتوح سيحوّله إلى جرحٍ نازف في الجسد العربي، وأن معالجة الأزمة في بداياتها أقل كلفةً، وأعلى مردوداً، من محاولة احتوائها بعد أن تستفحل.
من هذا المنطلق، فتحت عمّان أبوابها لليمنيين، واستضافت المؤتمرات واللقاءات الأولى التي حاولت جمع الفرقاء على طاولة الحوار، في وقتٍ كانت فيه لغة السلاح تتقدم على لغة السياسة.
لم يكن ذلك استعراضاً دبلوماسياً، بل تعبيراً عن فلسفة سياسية ترى أن الخلاف مهما تعقّد لا يُحل إلا بالكلمة، وأن كرامة الشعوب لا تُصان إلا عبر مسار تفاوضي يحترم إرادتها.
كان الملك حسين طيب الله ثراه يؤمن بأن الحلول المستدامة لا تُفرض بالقوة، ولا تُستورد جاهزة، بل تُصاغ بإرادة أصحاب القضية أنفسهم، ضمن بيئة عربية نزيهة ومحايدة.
لذلك تحولت عمّان إلى بيتٍ جامع، لا ينحاز إلا لليمن كوطن، ولليمنيين كشعبٍ واحد، مهما تباينت مواقعهم السياسية.
تلك الحكمة الاستباقية هي ما يجعل الدور الأردني يُستحضر اليوم كنموذجٍ حي، لا كذكرى من أرشيف السياسة.
ومن هنا تكتسب مبادرة الرياض أهميتها الاستراتيجية؛ فهي لا تناقض ذلك الدور، بل تُكمله وتبني عليه.
فالأردن وضع الأساس الأخلاقي والسياسي لفكرة الحل العربي، وفتح باب الحوار حين كان موصداً، فيما
تسعى السعودية اليوم إلى توسيع هذا الباب وترسيخه، مستندةً إلى ثقلها الإقليمي وقدرتها على جمع الأطراف، وتوفير مظلة سياسية واقتصادية تمنح أي اتفاق فرصة حقيقية للصمود.
إن تلاقي المسارين عمّان بالأمس والرياض اليوم يؤكد حقيقةً جوهرية في العمل العربي المشترك: حين تتكامل الأدوار ولا تتنافس، تصبح صناعة الحل ممكنة حتى في أعقد الأزمات.
فاليمن لا يحتاج مزيداً من البيانات والخطابات، بقدر ما يحتاج إرادة سياسية صادقة، تضع مصلحة شعبه فوق الحسابات الضيقة، وتتعامل مع السلام بوصفه استثماراً استراتيجياً لا تنازلاً.
وهكذا، من قلب المأساة اليمنية الراهنة، يبرز درسٌ لا لبس فيه: الأزمات لا تُحل عند ذروتها، بل حين تُواجه بالحكمة والشجاعة السياسية.
وما بين حكمة الأردن المبكرة في عهد الملك حسين بن طلال، ومبادرة الرياض اليوم، تتشكل فرصة تاريخية قد تكون الأهم منذ سنوات—فرصةٌ ليكتب اليمن فصلاً جديداً، عنوانه السلام، وتوقيعه عربي.