محمد حسان الذنيبات - استشاري أمراض وزراعة الكلى وضغط الدم
أثار ما نُشر مؤخراً حول التبرع بالأعضاء وزراعتها في الأردن عدداً من الأسئلة المهمة طرحها عدد من الزملاء الصحفيين، ومنهم الصحفية رانيا النمر، وأود أن أوضح أنني لا أتحدث باسم وزارة الصحة أو أي جهة رسمية، وإنما أطرح هذه النقاط من منظور طبي وأكاديمي، وبحكم عملي في مجال أمراض وزراعة الكلى، ومن منطلق الحرص على بناء منظومة وطنية آمنة وشفافة ومستدامة.
1- قوائم الانتظار
وجود قوائم انتظار وطنية واضحة ومنظمة هو أحد أهم عناصر أي برنامج وطني لزراعة الأعضاء، لأنها تضمن أن يكون توزيع الأعضاء وفق معايير طبية وأخلاقية واضحة، مثل درجة الخطورة، والاستعجال، والتوافق، ومدة الانتظار، وغيرها من المعايير المعتمدة.
وفي الأردن اليوم، يجري حالياً العمل على تطوير وتحديث البروتوكولات المنظمة لهذا الجانب من خلال لجنة شكلها وزير الصحة، بهدف الوصول إلى منظومة أكثر تكاملاً ووضوحاً، وبما يتوافق مع المعايير الطبية والأخلاقية المعتمدة.
ففي السابق، كانت أعداد المرضى المسجلين محدودة وموزعة بين مراكز وبرامج مختلفة، وهو أمر مرتبط بشكل كبير بمحدودية توفر الأعضاء من المتوفين دماغياً.
أما مع التوسع المتوقع في برنامج التبرع بالأعضاء بعد الوفاة الدماغية، فإن الحاجة ستكون أكبر إلى قائمة وطنية موحدة، واضحة، محدثة وقابلة للرقابة بعيداً عن الواسطة أو المحاباة..
2- ما المقصود ببنك الأعضاء؟
عندما نتحدث عن "بنك وطني للأعضاء"، فلا ينبغي أن نفهمه على أنه مستودع تُخزن فيه الأعضاء لفترات طويلة. فالأعضاء البشرية ليست مواد يمكن تخزينها لفترات طويلة، ولكل عضو فترة محدودة جداً يمكن خلالها الحفاظ عليه بعد استئصاله.
لذلك، فإن المقصود عملياً هو منظومة أو جهة وطنية تنسق عملية التبرع بالأعضاء: من التعرف إلى حالة الوفاة الدماغية، وتقييم المتبرع، وتحديد الأعضاء الصالحة للتبرع، ثم استئصالها وحفظها ونقلها وتخصيصها للمرضى المستحقين ضمن القوائم الوطنية، وكل ذلك ضمن أوقات محددة تختلف باختلاف العضو. والمقترح اليوم هو تطوير الآلية القائمة بوجود وحدة تتبع لوزراة الصحة إلى بناء مركز وطني متخصص يضم القطاعات جميعاً ويكون دوره ضمان تطبيق البروتوتوكول الوطني المتفق عليه.
3- هل نحتاج إلى مستشفى وطني متخصص بزراعة الأعضاء؟
الأردن ليس جديداً في مجال زراعة الأعضاء. و لدينا خبرات متراكمة في زراعة الكلى والقرنيات بشكل أساسي، وتُجرى سنوياً أعداد جيدة من عمليات زراعة الكلى والقرنيات حوالي 300 لكل منهما، كما أن تاريخ زراعة الأعضاء في الأردن يعود إلى عقود؛ فقد بدأت زراعة الكلى عام 1972، وزراعة القلب عام 1985، وزراعة الكبد عام 2004.
المطلوب ليس بالضرورة أن نبدأ من الصفر، وإنما أن نبني على الخبرات الموجودة، ونوحد الجهود ضمن منظومة وطنية متكاملة. وصولا إلى المركز المتخصص.
4- هل لدينا كوادر مؤهلة لزراعة الكبد والقلب والرئة؟
لدينا أطباء وكوادر تلقوا التدريب والخبرة في تخصصات زراعة الأعضاء المختلفة، لكن بناء برنامج وطني متكامل لا يعتمد على وجود طبيب أو جراح مؤهل فقط. بل هي منظومة كاملة تحتاج إلى فرق متعددة التخصصات، ووحدات عناية حثيثة، وتخدير، وتمريض، ومختبرات، ومختبرات توافق الأنسجة، وتنسيق للتبرع، واستئصال وحفظ ونقل الأعضاء، إضافة إلى أن المهارات المعقدة تحتاج إلى ممارسة مستمرة للحفاظ على الكفاءة. ولذلك فإن مبدأ التدرج هو الأهم هنا. وفي الدراسة التي أعدتها الجمعية الأردنية الأميركية للأطباء JAPA، كان الطرح يقوم على البدء بالأعضاء التي نملك فيها خبرة قوية، وعلى رأسها الكلى والقرنيات، ثم الانتقال تدريجياً إلى الأعضاء الأخرى مع اكتمال الجاهزية الطبية والفنية. وهذا يتفق مع فكرة التوسع التدريجي التي تطرحها الدراسات والخبرات الدولية في بناء برامج التبرع وزراعة الأعضاء.
5- هل زراعة الكلى متاحة في القطاع العام والخاص؟
زراعة الكلى تُجرى في الأردن في القطاع العام، بما في ذلك الخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة، إضافة إلى المستشفيات الجامعية والقطاع الخاص.
وفي القطاع العام توجد ترتيبات وإعفاءات للمرضى والمتبرعين وفق الأنظمة المعمول بها.
6- ماذا عن تكلفة زراعة الأعضاء؟
زراعة الكلى لديها مسار واضح نسبياً من حيث الإجراءات والتكاليف، بينما زراعة الأعضاء الأخرى ما زالت أعدادها محدودة جداً في الأردن، وبالتالي فإن بناء منظومة وطنية لهذه العمليات يحتاج أيضاً إلى وضع أطر واضحة للتمويل والتكاليف والتغطية الصحية.
لكن هناك نقطة أعتقد أنها في غاية الأهمية عند الحديث عن أعداد المتبرعين:
ليس كل من يسجل رغبته في التبرع سيصبح متبرعاً فعلياً.
الشخص الذي يسجل رغبته اليوم قد لا يتوفى أصلاً بطريقة تسمح بالتبرع بالأعضاء، وليس كل شخص يتوفى يمكن أن يكون متبرعاً، وحتى في حالات الوفاة الدماغية فإن صلاحية التبرع تعتمد على معايير طبية، وظروف الوفاة، وحالة الأعضاء، وإمكانية الحفاظ عليها ونقلها في الوقت المناسب.
لذلك، فإن الوصول إلى عدد محدود من المتبرعين الفعليين يتطلب بالضرورة قاعدة كبيرة من الأشخاص الذين أعلنوا رغبتهم بالتبرع.
وبمعنى أبسط:
آلاف الأشخاص قد يسجلون رغبتهم بالتبرع، لكن عدداً صغيراً منهم فقط قد يصل في النهاية إلى مرحلة التبرع الفعلي بالأعضاء.
وهذا ليس فشلاً في البرنامج، بل هو طبيعة التبرع بالأعضاء من المتوفين.
ولهذا فإن زيادة عدد المسجلين في البداية أمر مهم جداً، بالتوازي مع بناء المنظومة التي تستطيع التعرف إلى حالات الوفاة الدماغية، وتقييم إمكانية التبرع، واستئصال الأعضاء وحفظها ونقلها، ثم إيصالها إلى المرضى الذين ينتظرونها.
وفي النهاية، فإن بناء برنامج وطني ناجح للتبرع وزراعة الأعضاء يعني بناء منظومة متكاملة تبدأ بالوعي والتسجيل، ثم التعرف المبكر على حالات الوفاة الدماغية، والتقييم الطبي والأخلاقي للمتبرع، واستئصال الأعضاء وحفظها ونقلها، ووجود قوائم انتظار وطنية واضحة، وتخصيص شفاف وعادل، وكوادر مدربة، وتشريعات ورقابة تضمن سلامة العملية ونزاهتها.
فالهدف ليس أن نبني برنامجاً كبيراً بسرعة، وإنما أن نبني برنامجاً صحيحاً وآمناً وشفافاً وقابلاً للاستمرار والتوسع، ضمن منظومة واضحة المعايير، خاضعة للرقابة، وتعمل بأعلى درجات النزاهة والشفافية، بما يبعث على الطمأنينة والثقة، ويضمن أن تصل الأعضاء إلى من يستحقها وفق معايير طبية واضحة، بعيداً عن أي محاباة أو واسطة أو تمييز.
وفي زراعة الأعضاء، الثقة لا تُبنى بالكلام، وإنما بمنظومة عادلة وشفافة يمكن للجميع الاطمئنان إليها.
